السوداني في كوردستان

 

 

طارق كاريزي

بعد سلسلة زيارات الى دول اقليمية ودول كبرى، زار محمد شياع السوداني رئيس الحكومة العراقية اقليم كوردستان. وقد سبق الزيارة تقديم عروض حسن النيّة مثل مصادقة الحكومة العراقية على مشروع حلبجة كمحافظة عراقية جديدة وارسال أول دفعة من استحقاقات اقليم كوردستان من الموازنة العامة، وأيضا تخصيص اعتمادات مالية لدعم عمل اللجنة العليا لتطبيق المادة 140 علاوة على تصريحات متفائلة بشأن السعي لبلورة قانون النفط والغاز.

 

زيارة دولة رئيس الوزراء العراقي هذه، تسجل له كنقطة ايجابية باتجاه معالجة الاشكالات العالقة بين بغداد واقليمه الكوردستاني. وتم استقبال السوداني بحفاوة بالغة من قبل كبار مسؤولي الاقليم. ويبدو ان السيد السوداني يبدي تفهما عاليا للحقوق الكوردستانية وما يتعلق بها من استحقاقات دستورية. من المؤكد زيارته الى اقليم كوردستان والعروض التي دعمتها، هي خطوة بالاتجاه الصحيح تصب في صالح الطرفين (بغداد والاقليم)، وتبقى العبرة في تواصل هذا الجهد الطيب ودعم مساعي تطبيع العلاقات بين العاصمة الاتحادية واقليمه الفدرالي الوحيد، وهي بالنتيجة تصب في صالح عموم البلد.

 

اقليم كوردستان يستفيد من عمقه العراق، وبالمقابل فان العراق سيربح كثيرا في حال استلهام تجربة الادارة والبناء والاعمار التي تحققت في الاقليم. ولا يمكن الركون الى هكذا معادلة ثنائية مفيدة لطرفيها، من دون ارساء اسس التعاون والتفاهم، والابتعاد كل البعد عن اثارة العثرات أمام سير العلاقة باتجاه مثمر.

 

تعد القضية الكوردية، أو لنقل مشكلة كوردستان، أحدى أكبر منابع القلق وعدم الاستقرار في العراق منذ تأسيسه. ولعل مصدر القلق هو عدم تفهم بغداد للمطالب الكوردية/ الكوردستانية التي تتجسد بالركون الى منطق العدالة قولا وفعلا، ومراعاة الحقوق والاقرار بميزة التعددية الثقافية للمجتمع العراقي، بالشكل الذي يستوجب التعامل معه انطلاقا من روح المواطنة تحت سقف الحرية وبالشكل الذي يضمن حقوق الجميع.

 

طوال 102 عام من عمر الدولة العراقية، عجزت النخب السياسية التي تولت السلطة عن معالجة القضية الكوردية، بل الكل لجأوا في البدء الى القمع والسلاح، وحال استحالة الأمر بسبب فشل وعجز العنف، ناورا تاليا وهم يتطلعون لاحتواء حالة عدم الرضوخ الكوردي. واتباع هكذا سياسة طوال قرن من الزمان لم توصل البلد الى برّ الأمان، بل ساق مركب الدولة الى مزيد من حالات عدم الاستقرار وأيضا الصراع المرير الذي دفع الطرفان فاتورته.

 

لتكون زيارة السيد السوداني مشوارا جديدا ومثمرا للانطلاق بالاتجاه الصحيح بما يضمن استقرار العراق والشروع بعهد جديد للعمل والبناء، خدمة لأهل البلد الذين يتطلعون لحياة مفرداتها الأمن والاستقرار والرفاهية. والعبرة الكبرى في استمرار العلاقة وفق المسار المتفق عليه من قبل الجانبين، وأية حالة من التراجع يعني العودة الى المربعات الأولى وهدر المزيد من الجهد والوقت الذي يستوجب توظيفهما بشكل أمثل.

قد يعجبك ايضا