بقلم: نوري جاسم
في كل مرة نحاول فيها قراءة المشهد العراقي، نجد أنفسنا أمام لوحةٍ مركّبة، لا تكفيها الألوان ولا تكفيها الكلمات. فالعراق، ذلك البلد الذي تعلّم النهوض من بين الرماد مراراً، يعيش اليوم لحظةً فارقة تتشابك فيها الآمال بالتحديات، والرغبات بالواقع، والذاكرة بالمستقبل. ولا يمكن الحديث عن حاضر العراق من دون التوقف عند طاقة شبابه؛ فهذه الفئة التي تُشكّل أكثر من نصف المجتمع ما زالت تبحث عن فرصة، عن نافذة تُطلّ منها على حياة كريمة، لا تُعاقب فيها طموحاتهم، ولا تُحاصَر فيها أحلامهم.
وبرغم كل العثرات، يظل الشاب العراقي قادراً على أن يفاجئ الجميع بإصراره وابتكاره وقدرته على تحويل المستحيل إلى ممكن. ومع ذلك، فإن الطريق لا يزال مليئاً بما تراكم عبر عقود طويلة من الأزمات. فالإدارة المتعثرة، وتراجع الخدمات، وغياب الرؤية الاستراتيجية، كلها عوامل تجعل من الضروري إعادة التفكير بنمط إدارة الدولة، وبناء نموذج تنموي يضع الإنسان في قلب العملية، لا في هامشها.
إن العراق يحتاج اليوم إلى مشروع وطني جامع، لا يُقصي أحداً ولا يُرتهن لجهة، يُعيد ترتيب الأولويات ويُحرّك عجلة الاقتصاد ويصنع جسور الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فالأمم لا تبنى بالخطابات وحدها، بل بالعمل الواقعي، وباحترام القانون، وبترسيخ قيم المواطنة.
وعلى الرغم من صعوبة اللحظة، يبقى في العراق ما يستحق أن نؤمن به، وهذه الأرض التي شهدت أول حرف وأول قانون، ما تزال قادرة على كتابة فصلٍ جديد أكثر إشراقاً. ما تحتاجه فقط هو إدارة واعية، وإرادة صادقة، وجرأة في مواجهة الأخطاء بدل الالتفاف عليها.
إن العراقي، بطبعه، لا يستسلم. وإذا ما تهيأت له البيئة السليمة، فلن يتأخر عن بناء وطنٍ يستحقه، وطنٍ يجد فيه شبابه مكاناً يليق بجهدهم، وشيوخه احتراماً يليق بتاريخهم، ونساءه مساحة تليق بإبداعهن. العراق لا يبحث عن معجزة، بل يبحث عن صدقٍ في العمل، وعدالة في الفرص، وشجاعة في اتخاذ القرار. وحين تتحقق هذه الثلاثة، سنرى ذلك الأفق الجديد الذي طال انتظاره، وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما..