د.حسين إبراهيم جبار
كان أسعد عبد العزيز الغريري شاعرا غنائيا معروفا على مستوى العراق قبل ان يلتقي بالساهر. بدأ بكتابة الشعر وهو شاب يافع، وكان في الوقت نفسه رياضيا جذبته لعبة كرة السلة، ثم مال الى الاعلام وعمل معدا ومقدما لبرامج تلفزيونية واذاعية. واختار في النهاية الشعر الغنائي واحترفه بسبب موهبته فيه وحبه له. عام 1982 بدأ مسيرته في هذا المجال بكل قوة، وذلك حين كتب نصّ “علمني عليك” الذي غناه أول الامر مغني عراقي هاوي اسمه علي عبد النبي، ولكن لم يكتب له النجاح الا عندما غناه المطرب الكويتي عبد الله رويشد. واستمرت كلمات اسعد الغريري بالتدفق، وغناها معظم المطربين العراقيين في ذلك الوقت. وفي عام 1984 خضع لخدمة العلم، وانتسب الى فرقة المسرح العسكري، فكان له حضور محترم وكلمة مسموعة عند آمر المسرح خالد الدوري، وكذلك عند مدير وموظفي الاذاعة والتلفزيون بسبب موهبته وثقافته وشخصيته المؤثرة، ولكونه زميلا في تلك المؤسسة الاعلامية. كان يحضر المنافسات الفنية، وكثيرا ما أصبح عضوا في لجان التحكيم التي تجري تحت اشرافها اختبارات ذوي المواهب من الشباب المتقدمين للحصول على فرصة للعمل كمغنين في الاذاعة والتلفزيون.
وفي احد الايام من ذلك العام دخل الى حانوت المسرح العسكري ليطلع كعادته على الصحف اليومية، وبينما كان منشغلا بالقراءة لفت انتباهه عسكري شاب يجلس قريبا من طاولته ومعه عوده واصدقائه وهو يُسمعهم لحن اغنية ويطلب رأيهم فيها. جذبه صوت الشاب كما جذبه لحن الاغنية، فوضع جريدته جانبا والتفت الى الشاب وقال له:
– صوتك رائع، وكذلك اللحن الذي تترنم به، اما الكلمات التي اسمعها..
واكمل جملته بملامح ممتعضة وبهزة رافضة من رأسه. وبعد صمت قصير طلب ان يسمح له بتعديل هذا النص وجعل مفرداته اكثر قبولا، فنهض احد الشباب وبيده الورقة التي دون فيها النص وناولها لاسعد هو يعرفه بافراد المجموعة:
– صديقنا “كاظم جبار”، مطرب وملحن، وانا محمود شاكر وهذا صديقنا صلاح حميد وصديقنا الآخر شعبان صباح مطربون “كورال”. اما انت فنعرفك جيدا.
وافق كاظم على اقتراح الشاعر الغريري بسبب ما كان يتمتع به من سمعة طيبة ومقدرة شعرية فذة، خصوصا وان مؤلف النص “علي اهليّل” كان قد أعطى موافقته المسبقة لكاظم عن أي تصويبات يرتأيها. فتناول أسعد الورقة من يد محمود وأجرى عليها التعديلات المناسبة ثم اعادها اليه. وأول ما لفت انتباه كاظم فيها هو تغيير عنوان الاغنية الذي أصبح “انا وحبيبي يا هوى” بدلا من “هوى يا هوى”، اما بقية التعديلات فنالت استحسانه.
اصطحب كاظم في اليوم التالي عازف الكمان “قصي شبّر” وذهبا الى بيت عازف الكيتار”شكري عزيز” وقاموا بتسجيل الاغنية على جهاز تسجيل صوتي عادي. وانتهز كاظم فرصة وجود العازفين لتسجيل أغنية أخرى اسمها “بالأفراح” من كلمات الشاعر حسن الخزاعي، ثم أرسل الاغنيتين الى اللجنة الموسيقية في الاذاعة والتلفزيون. وبعد مرور أربعة أشهر اعاد تسجيل الاغنيتين في ستوديو 4 في الاذاعة والتلفزيون بوساطة من الشاعر أسعد الغريري الذي قام بتسليم شريط التسجيل بنفسه الى صديقه المخرج “سليم الوكيل” فقام هذا بتصويره على نفقة الدولة.
بعد مرور سنة، أي عام 1985 التقى كاظم بأسعد الغريري مجددا، وشكى اليه شحة النصوص الغنائية الجيدة، فأهداه نصا من نظمه عنوانه “يا شجرة الزيتون” سبق ان اعطاه الغريري لصديقه المطرب “رضا الخياط” لكنه لم يجد من يلحنه له. وحين انتهى أسعد من قراءة النص أبدى كاظم اقتناعه به واستعداده لتلحينه، فاشترط اسعد عليه ان يقوم بذلك في مدة اقصاها ثلاثين يوما، وإلا فانه سيسحبه منه هو الآخر.
بعد أقل من اسبوع، في صباح شتوي ممطر، جاء كاظم لمقابلة الغريري في شقته التي تحمل الرقم 6 في الطابق الأرضي في حي الصالحية، وما ان فتح اسعد الباب حتى دلف كاظم الى الداخل وبدأ ينزع غلاف آلة العود التي كان يحتضنها بحرص، فيما بقي اسعد واقفا بمكانه ينظر اليه باستغراب. كانت حبات من المطر الناعم عالقة بملابسه العسكرية، قال كاظم:
– جئت لاسمعك لحن أغنية شجرة الزيتون وأذهب، ليس لدي وقت اضيعه، عليّ ان اكون موجودا بمعهد الدراسات النغمية بعد نصف ساعة، اعتقد ان إدارة المعهد ستطردني بسبب تأخري المتكرر.
اغلق اسعد الباب عندما بدأ كاظم يضرب بريشته على اوتار عوده عازفا المقدمة الموسيقية للأغنية ثم راح يترنم بكلماتها. كان أسعد مأخوذا بهذا الشاب الزاخر بالحيوية والنشاط الى حد غير معقول. وما ان انتهى كاظم من ادائه حتى اعاد حزم آلته وحملها، وقال لأسعد وهو يفتح الباب ويخرج:
– اعطني رأيك فيما بعد..
– …!
حمل كاظم نوتة اغنية “يا شجرة الزيتون” وتوجه بها الى فرقة اتحاد الشباب بمنطقة الوزيرية لانجاز ما تعلق بها من بروفات، فشاهد هناك شابا في مقتبل العمر يجلس منعزلا ولا ينفك يداعب مفاتيح آلة الاورك التي أمامه، وقف يتأمله لبرهة، ثم خطى نحوه ودفع اليه بنوتة الأغنية قائلا:
– اعتقد انك تستطيع ان تنفذ هذا “الصولو اورك”؟
تناولها منه الشاب الصغير، وباشر بعزفها دون كلام وبطريقة أعجبت كاظم كثيرا، فربت على كتفه وسأله عن اسمه فقال:
– أنا فاضل فالح.
– جيد يا فاضل، احفظ هذا جيدا لتعزفه غدا في الاذاعة.
التقيا في مبنى الاذاعة في اليوم التالي، وتمّ تسجيل الاغنية في ستوديو 4 وارسلت نسخة من التسجيل الى غرفة مدير قسم الموسيقى والغناء الفنان طالب القره غولي، فوضعه هذا في جهاز تسجيل وبدأ بسماعه مع بعض الفنانين الجالسين معه في مكتبه، فاعجب بصوته وبلحنه وطلب حضوره. وحين وقف كاظم أمامه قال له:
– سمعت عنك انك مطرب وملحن جيد، وانك راجعت هنا من اجل الحصول على رخصة فلم نستجب لك، ولكن تأكد لنا، انا وزملائي، انك تستحق ان تكون من الآن وصاعدا مطربا وملحنا معتمدا في الاذاعة والتلفزيون، مبارك لك.
وبذلك كان كاظم الفنان العراقي الوحيد الذي مُنح الاجازة في الغناء والتلحين ودخل الاذاعة والتلفزيون العراقي دون ان يخضع لاختبار لجنة فحص الأصوات. خرج كاظم مسرورا من غرفة القره غولي، وقام بتسليم شريط الأغنية الى مسؤول مكتبة الاذاعة السيد “موفق حسون”، وكان أسعد الغريري جالسا معه آنذاك، وروى كاظم لهما ما دار بينه وبين الاستاذ طالب القره غولي فباركا له، ثم قال السيد موفق حسون:
– وضعتُ الاغنية على رأس الأغاني في القائمة التي ستعرض هذا اليوم في التلفزيون بعد أخبار الساعة السادسة مساء، ولكن، وكما تعلمان، لا يوجد عندنا شيئا ثابتا ومؤكدا، فربما ستكون هناك تغطية لنشاطات السيد رئيس الجمهورية أو نقل وقائع زيارة أو اجتماع له، فحينئذ سيؤجل بث الأغاني الى موعد آخر.
اصطحب كاظم الشاعر أسعد الغريري الى بيت اهله عصر ذلك اليوم، فاستقبله أبي ورحب به، فقال له الغريري بصوت مرتفع وبوجه مستبشر وهو يشد على يده:
– ابنكم سيظهر بعد قليل على شاشة التلفزيون، بعد أخبار الساعة السادسة اذا لم تكن هناك تغطية لنشاطات الرئيس.
تناول كاظم وأسعد طعام العشاء، ووضعت أمي وشقيقتي فاطمة وزوجة كاظم “أم وسام” أمامهما أطباقا من الرز ومرقة السبانخ وطبق آخر من “كباب العروق” أعدته امي على عجل ليكون مكملا للطبقين السابقين. وحين ازف الموعد أو كاد، وعيون كل من في البيت تتطلع الى الساعة المثبتة على الجدار تارة، والى شاشة التلفاز اخرى، لم يكن اسعد قد انهى حديثه المتحمس عن كاظم والمستقبل المشرق الذي ينتظره. كانت امي وبقية افراد العائلة الموجودين في تلك الاثناء منشغلين عنه ويبتهلون الى الله في سرهم ان لا يكون هناك ظهور لصدام حسين في هذه الساعة. واذا بالمذيع “جودت كاظم عزيز” يطل من شاشة التلفزيون بوجه باسم ويعلن عن تقديم مجموعة من الاغنيات الخفيفة يبدؤها المطرب كاظم جبار باغنية “يا شجرة الزيتون”. فكانت فرحة العائلة لا توصف، وكانت الأم والزوجة والشقيقة ينظرن الى الشاشة بانبهار وهن واقفات، وما ان انتهت الأغنية حتى ضمت أمي كاظما الى صدرها وقبلته، وبعد قليل انبعثت من البيت روائح البخور وطقطقة الحرمل الممتزجة بصوت أسعد المرتفع وضحكات أبي وبتعبيرات الفرح والحبور على وجوه كل افراد الاسرة.
الدكتور حسين جبار ابراهيم
jabbarhussein7@gmail.com