بغداد – التآخي
حسب تقارير دولية , ظهر العراق في ذيل القائمةتقريباً حسب ساعات العمل أسبوعية ظهر العراق فيذيل القائمة تقريباً حسب ساعات العمل أسبوعية ظهرالعراق في ذيل القائمة تقريباً حسب ساعات العملأسبوعية لا تتجاوز قليلاً حاجز الثلاثين ساعة فيالمتوسّط، في وقت تُسجّل فيه دول آسيوية وخليجيةوإفريقية مستويات أعلى بكثير، فيما تتصدّر دول مثلبوتان قائمة الدول الأكثر عملاً بأسابيع عمل تتجاوزخمسين ساعة. هذا التراجع جعل العراق واحداً منأصحاب أقصر أسابيع العمل في العالم، لا من حيثالأجر فقط، بل من حيث الوقت الذي يقضيه العاملفعلياً في بيئة العمل، بحسب بيانات مستندة إلىمصادر دولية من بينها منظمة العمل الدولية ومنصّاتبحثية متخصّصة.
هذا المؤشّر، الذي قد يبدو في ظاهره تفصيلاً فنياًضمن بحر من المؤشرات، تحوّل سريعاً إلى مادةلنقاش أوسع داخل الأوساط الاقتصادية العراقية، ليسلأن العراقيين “يعملون أقل” فحسب، بل لأن هذاالتراجع في ترتيب ساعات العمل يتقاطع مع صورةسوق عمل مأزوم أصلاً، تتعايش فيه بطالة مُقنّعةمتجذّرة في القطاع العام مع بطالة حقيقية متصاعدةبين الشباب، وتُهدر فيه الطاقة البشرية في بيئةإنتاجية ضعيفة الكفاءة.
في هذا السياق، يؤكد الخبير في الشؤون الاقتصاديةرشيد السعدي لـ“بغداد اليوم” أن “تراجع العراق إلىذيل القائمة الدولية لا يرتبط فقط بساعات العمل القليلةمقارنة بدول الإقليم والعالم، بل يكشف عن مشكلاتهيكلية عميقة في سوق العمل الوطني، تتعلق بضعفالتشغيل الفعلي، وغياب بيئة إنتاجية محفّزة، وارتفاعمعدلات البطالة المُقنّعة، إضافة إلى محدودية مساهمةالقطاع الخاص في خلق فرص العمل“. ويوضح أن“التقرير الدولي ينسجم مع المؤشرات المحلية التيتُظهر انخفاض ساعات التشغيل الفعلية في الكثير منالمؤسسات، سواء في القطاع العام أو الخاص، نتيجةعوامل أبرزها ضعف القطاعات الإنتاجية والصناعية،وقلة ساعات التشغيل، وتوسّع العمل غير النظاميالذي لا يُحتسب ضمن ساعات العمل الرسمية، وفجوةالمهارات بين مخرجات التعليم وحاجات السوق،واعتماد شريحة واسعة من القوى العاملة على وظائفحكومية منخفضة الإنتاجية“.
كلام السعدي لا يقف عند مستوى الانطباع، بل يتكئعلى صورة رقمية ثقيلة؛ فبحسب بيانات البنك الدوليبلغ معدل البطالة الكلّية في العراق نحو 15.5 بالمئة فيعام 2024، وهو مستوى مرتفع قياساً بدولة نفطيةيعتمد اقتصادها على قطاع لا يمتصّ سوى جزءمحدود من العمالة المباشرة. وتشير تقديرات أممية إلىأن بطالة الشباب، ولا سيما في الفئة العمرية 15 – 24، تتجاوز ثُلث قوة العمل الشابة، مع نسب أعلىبكثير بين الشابات.
الأرقام الخاصة بالشباب تبدو أكثر قسوة عندما تنزلمن مستوى النسب العامة إلى التفاصيل العمرية؛فبحسب بيانات وطنية وتقارير إعلامية، فإن أكثر من36 بالمئة من الفئة العمرية 18 – 35 كانوا خارج سوقالعمل بحلول أواخر 2024، في وقت لا ينجح فيهالقطاع الخاص العراقي في خلق أكثر من خمسينألف وظيفة رسمية سنوياً، مقابل دخول ما يزيد علىأربعمئة ألف شاب وشابة إلى السوق كل عام، ما يعنيأن أكثر من ثلاثة أرباع الداخلين الجدد يبقون بلافرصة عمل رسمية، أو يُدفعون إلى الهامش غيرالنظامي. وفي موازاة ذلك، تُقدّر تقارير دولية أن معدلبطالة الشباب وفق نماذج منظمة العمل الدولية يصلإلى ما يقارب ثلث قوة العمل الشابة، وأن بطالةالشابات تتجاوز في بعض التقديرات 60 بالمئة، فيماتسجّل مشاركة النساء في قوة العمل واحدة من أدنىالنسب عالمياً، عند حدود 11 بالمئة فقط، ما يعني أنثلاثة من كل أربعة شباب إمّا عاطلون، أو يعملون فيظروف هشّة، أو خارج التعليم والتدريب، وأن أكثر منثلثي طاقة النساء في سنّ العمل تبقى مُعطّلةاقتصادياً.
وراء هذه الصورة يقف قطاع عام متضخّم يحمل فيداخله جوهر البطالة المُقنّعة؛ ففي بلد ما زالت الوظيفةالحكومية فيه تمثّل “ضمان الأمان” الاجتماعي، تُشيرتقديرات بحثية إلى أن القطاع الحكومي يستحوذ علىنحو 62 بالمئة من الوظائف المأجورة في عموم البلاد،وأن ما يقرب من 45 بالمئة من فرص العمل في المدن،وقرابة 28 بالمئة في الأرياف، ترتبط بالدولةومؤسساتها. هذه الهيمنة لم تنشأ من حاجة اقتصاديةعضوية، بل من تراكم قرارات توظيف زبائنيةوسياسية منذ عام 2003، جعلت جهاز الدولة يتحولتدريجياً إلى “مخزن قوة عمل” بدلاً من أن يكون إطاراًلتنظيم الاقتصاد. فمع كل موجة احتجاج أو ضغطسياسي، يدخل آلاف الموظفين إلى الملاك من دونإعادة توزيع حقيقية للمهام، ما ينتج مقاعد وظيفيةتُدفع عنها رواتب كاملة مقابل ساعات تشغيلمنخفضة، أو وظائف شبه فارغة من العمل الفعلي.
هذا التوسع الكمي في التوظيف الحكومي لم يُترجمإلى توسع في الإنتاجية أو في حجم الناتج المحلي غيرالنفطي؛ فصندوق النقد الدولي يشير إلى أن نموالقطاع غير النفطي، الذي سجل قفزة بنحو 13.8 بالمئة في 2023، انخفض إلى 2.5 بالمئة في 2024 تحت ضغط تراجع الاستثمارات العامة وتباطؤ التنفيذ،وسط تأكيدات على أن إنتاجية العمل في الاقتصادالعراقي ما تزال ضعيفة، وأن رأس المال البشرييُستخدم بطريقة غير كفؤة نتيجة اختلالات سوق العملوتشوهات الحوافز. وفي هذا السياق يصبح مؤشّر“ساعات العمل الأسبوعية” مجرد واجهة رقمية لمشكلةأعمق؛ فمن يعمل ثلاثين ساعة في بيئة إنتاجية واضحةيمكنه أن يضيف إلى الناتج المحلي أكثر بكثير ممنيجلس أربعين ساعة في مكتب حكومي لا يمتلك نظاماًحقيقياً لقياس الأداء أو ربط الأجر بالمردود.
رشيد السعدي يلفت الانتباه إلى هذه النقطة تحديداً،حين يقول إن “التحدي الأخطر لا يتمثل بتراجع العراقفي التصنيف بحد ذاته، بل في انعكاس هذا الوضععلى الاقتصاد الوطني، فانخفاض ساعات العملالفعلية يعني انخفاضاً في الناتج، وتراجعاً فيالإنتاجية، وضعفاً في القدرة التنافسية، وهو ماينعكس بدوره على مستويات الدخل والمعيشة والنموالاقتصادي“. ويضيف أن “دولاً عديدة تعمل بساعاتأقل من المعدلات العالمية، لكنها تعوّض ذلك بارتفاعالإنتاجية، في حين يفتقر العراق حتى الآن إلى منظومةإنتاجية مستقرة قادرة على الاستفادة المثلى من وقتالعمل أو تطوير بيئة تشجّع على الابتكار والمبادرة“.
وفي ظل هذه الصورة، يواجه القطاع الخاص تحدياتمُعقّدة؛ فالقدرة المحدودة على خلق وظائف رسميةجديدة لا تتعلق فقط بضعف الاستثمار أو صعوبةالتمويل، بل تتداخل معها عراقيل إدارية وجمركيةوتشريعية تجعل إطلاق مشروع صغير أو متوسطمغامرة محفوفة بالمخاطر، في مقابل صورة ذهنية ترىالوظيفة الحكومية أكثر أمناً حتى وإن كانت أقلإنتاجية. وهكذا تستمر الطوابير على أبواب الوزارات،فيما تبقى آلاف المشاريع الممكنة مُجمّدة في اقتصاديعتمد على النفط أكثر مما يعتمد على السوق والقطاعالمنتج.
ورغم كل هذه الملامح، لا يرى السعدي أن المشهد مغلقبالكامل، إذ يؤكد أن “معالجة هذا الخلل تتطلبسياسات تشغيل فعّالة تستند إلى حاجات السوق،وتعزيز القطاع الخاص عبر حوافز استثمارية تولّدوظائف رسمية، وتطوير برامج التدريب المهني وربطالتعليم بالاقتصاد، ورفع الكفاءة التشغيلية للقطاعالعام والتحوّل نحو العمل المرتكز على الإنتاجية،وإعادة تقييم ساعات العمل الفعلية وتحسين أنظمةقياس الأداء“. ويختم بالقول إن “العراق قادر علىتحسين موقعه في المؤشرات الدولية إذا ما تبنّىإصلاحات مدروسة تعالج جذور المشكلة، وإن رفعالإنتاجية وساعات العمل الفعلية ليسا مؤشراً رقمياًفقط، بل أساساً للنمو الاقتصادي وتحسين مستوىمعيشة المواطنين“.