محمد علي محيي الدين
يُعدّ الشاعر العراقي عبد الزهرة زكي من الأسماء البارزة التي بدأت النشر في سبعينيات القرن الماضي، وقد عُرف بصوته الشعري المتفرّد، وبقدرته على مزج التجربة الشعرية بوعي ثقافي وفني عميق. وهو، كما يصف نفسه، شاعر قاده الشعر إلى النثر، فكتب المقالة والقصة، وامتلك ناصية السرد، حتى صار من القلائل الذين يُشار إليهم بالبنان في المشهد الثقافي العراقي.
ديوانه “في هذه الحديقة السوداء”، الصادر عن دار شهريار للنشر والتوزيع عام 2020، يمثل مرحلة نضج فني وجمالي واضحة، تكشف عن تحوّل رؤيوي في كتابته الشعرية، وتوثّق لحظة إنسانية مروعة عاشها العراقيون في ظل الحروب المتعاقبة.

في إحدى قصائد هذا الديوان، التي حملت عنوان” يحدث مثل هذا هناك “، يرسم مشهدًا شديد الواقعية، لا يعتمد على البلاغة العالية أو الصورة المدهشة، بل يستمد قوّته من هدوءٍ مخيف، من صمتٍ كثيف، من لحظة يومية تتكرر حدّ اللامبالاة، لكنها لا تخلو من الفجيعة.
مع أول قذيفة تنطلق، يسقط كوب الشاي من يد المرأة، في لقطة درامية مكثّفة، تُدخل القارئ مباشرة في عمق اللحظة. ليست هذه الصورة رمزية وحسب، بل فعل واقعي ومباشر يعكس ارتباك الحياة وهشاشتها في ظل العنف. ينظر الجميع إلى بعضهم بعضًا، لا يتحدثون، بل تلتقي عيونهم كأنما يعترفون ضِمنيًا أن لا أحد يملك تفسيرًا لما يحدث، أو قدرة على تغيير مساره.
من داخل هذا الوجوم، تتجه القصيدة نحو الخارج، نحو الحيّ الذي يبدأ بالاستيقاظ. الستائر تُزاح من النوافذ، كما تُزاح الستائر عن المسرح، لكن ما يُرى ليس مشهدًا تمثيليًا بل واقع مرير. امرأة أرملة تنظر من الطرف المقابل، وأصوات القذائف تتواصل. لا أحد يصرخ، لا أحد يهرب. بل يخرج الناس واحدًا تلو الآخر، كما لو أن طقسًا جماعيًا يُستعاد، طقس التحقق من المصير.
وفي ذروة هذا المشهد، تبرز المفارقة الصادمة: رجل يرفع صوته مخاطبًا شخصًا أصمّ، يخبره بأن “ثمة كاتيوشا تُطلق قذائفها من هنا إلى هناك”. هنا تختصر القصيدة كل عبث الحروب، كل لغتها التي لا تُفهم، كل محاولات الشرح التي لا تجد من يصغي. الأصمّ لا يسمع، وربما الآخرون أيضًا لا يسمعون، أو لا يريدون أن يسمعوا.
تختفي الكاتيوشا، ويختفي مطلقوها، ويعود الناس إلى بيوتهم “مطمئنين أن لا شيء”. لكن الشاعر يفضح هذا “اللاشيء” الذي هو في حقيقته كل شيء. الستائر تُسدَل من جديد، لا لإضفاء خصوصية، بل لحجب الرؤية. الشاي يبرد في الأكواب، والوجوه لا تنظر إلى بعضها بعضًا. الصمت يخيّم، إلا من الأصمّ الذي ما زال واقفًا في الشارع، لا يعرف أن الحرب مرّت من هنا.
بهذا التكوين الشعري البسيط في ظاهره، العميق في دلالته، يقدّم عبد الزهرة زكي نصًا احتجاجيًا من نوع آخر. لا شعارات، لا إدانات صاخبة، بل كشف لليومي الموجع، لتواطؤ الصمت، ولحظة الغموض الأخلاقي حين يُطلَق العنف من “هنا” باتجاه “هناك”، بينما الجميع يتنفسون راحة مؤقتة لأنهم ليسوا في مرمى القذيفة… هذه المرّة.
إنها قصيدة تفضح ما هو أعمق من الجريمة: تفضح اللامبالاة. تفضح الخوف المتكرر الذي صار عادة. تفضح تحوّل الحرب إلى تفصيل هامشي في حياة الناس، تُقاس بشايٍ بارد، وستارة تُسدَل، وأصمّ لا يسمع.
بهذه القصيدة، يؤكد عبد الزهرة زكي أن الشعر لا يحتاج إلى صراخ كي يكون صارخًا، بل إلى عين مفتوحة وقلب يُحسن الإصغاء. يكفي أن تقول، ببساطة دامغة:
كان الشاي باردًا، وكان الأصمّ لا يعرف أن الحرب مرّت من هنا.
القصيدة
مع صوتِ أوّل قذيفة أُطلقتْ
سقط كوبُ الشاي من يدها،
فنظرتْ نحوي،
ونظر الأولادُ نحوي أيضاً ونحوها..
لم يكن صوتُ الكاتيوشا بعيداً.
ولم تكن الشمسُ قد غربت بعد
حين سماعِنا صوتَ قذيفةٍ ثانية.
أزحتُ الستارةَ جانباً،
وكانت ستارةُ بيتٍ مقابلٍ تُزاح جانباً أيضاً.
كانت أرملةٌ تنظرُ إلى الشارع،
وكان صوتُ القذائفِ يتواصل..
خرجنا إلى الشارع،
وخرجَ واحدٌ من بيتٍ آخر،
وخرج في إثره اثنان من بيتٍ ثالث،
وخمسةٌ..
وخرج الجميع
صامتين..
ثمة أصوات قذائف تُطلَق..
” لا شيء.. لا شيء”،
كان أحدُهم يرفع عقيرته قائلاً لآخر أصم،
” ثمة كاتيوشا تطلق قذائفها من هنا باتجاه هناك”.
يصمتُ الجميع هنا.
وتصمتُ أصواتُ سقوط القذائفِ هناك.
وتختفي الكاتيوشا، ومعها يختفي رجال الكاتيوشا.
ونؤوب نحن مطمئنين أنْ لا شيء..
الشايُ باردٌ في الأكواب،
والستائرُ تُسدَل على النافذة،
ولا أحدَ ينظرُ باتجاهِ أحد،
والشارعُ مهجورٌ إلا من أصمّ لا يعرف
أن ثمةَ كاتيوشا من هنا
تطلقُ قذائفَها نحو آخرين غيرِنا هناك.