د. ضياء السورملي
في الآونة الاخيرة اثيرت مسألة اللاجئين في بريطانيا بسبب صدور لائحة قانون تخص منع اللاجئين من البقاء في بريطانيا في حالة دخولهم الاراضي البريطانية بطرق غير شرعية او عبورهم للسواحل البريطانية باستخدام زوارق صغيرة عبر فرنسا او هولندة ، لائحة القانون ستكون نافذة وتصبح قانونا بعد تمريرها وموافقة او مصادقة البرلمان البريطاني على فقراتها وبنودها.
قبل الخوض في صلب مشكلة اللاجئين اود ان أشير الى عدد من البيانات المفيدة الصادرة عن الدوائر الرسمية وخصوصا الاحصاء السكاني في بريطانيا لسنة 2021 حيث يتبين منها ان عدد المهاجرين من الدول الاوربية الى بريطانيا قد بلغ بحدود 195000 مائة وخمسة وتسعون الف نسمة عند نهاية سنة 2021 كما بلغ معدل المهاجرين الاوربيين الى بريطانيا ما بين سنة 2011-2021 حوالي 200000 مائتي الف نسمة ، وبلغ عدد المهاجرين الى بريطانيا الى نهاية شهر تشرين الثاني / نوفمبر 2022 حوالي 1.1 مليون نسمة وغادر بريطانيا حوالي 560000 خمسمائة وستون الف نسمة .
وتجدر الاشارة الى أن اكبر جالية استوطنت في بريطانيا للفترة 2020-2022 هي الجالية الهندية وبلغ تعدادهم 896000 ثمانمائة وستة وتسعون الف نسمة وياتي بعدهم في المرتبة التالية الجالية البولندية وبلغ تعدادهم 682000 ستمائة واثنان وثمانون الف نسمة .
كما ان نسبة 42% من الطلبات المقدمة للحصول على الاقامة في بريطانيا كانت من بلدان الشرق الاوسط ونسبة 23% من الطلبات المقدمة من البلدان الافريقية ، من الملاحظ ان هذه النسبة قد تغيرت في سنة 2022 لصالح البلدان الاسيوية حيث حصلوا على نسبة 31% من الطلبات المقدمة للاقامة في بريطانيا ويعقبها نسبة 24% للبلدان الاوربية .
من المهم ان نعرف ان عدد العراقيين في بريطانيا حسب احصاء سنة 2021 بلغ 58000 ثمانية وخمسون الف نسمة ، ويبلغ عدد الكرد من جميع اجزاء كردستان او الناطقين باللغة الكردية حوالي 49000 تسعة واربعون الف نسمة ، ويمكن مراجعة هذه البيانات بدقة اكثر وتفاصيل اكثر شمولية عن طريق دائرة التسجيل الاحصائي في بريطانيا وهي بيانات معلنة ومنشورة بكل شفافية على موقعهم الرسمي.
يعاني نظام الهجرة في بريطانيا من معارضة قطاعات واسعة منها منظمات حقوق الانسان ومنظمات محاربة العنصرية ومنظمات محاربة العنف وكذلك تلقى معارضة من احزاب محلية يمينية متطرفة تريد التخلص من اللاجئين ولا ترغب في تزايد هذه المجاميع البشرية المختلفة معهم في العادات والتقاليد والمعتقدات الثقافية والدينية ،
ومن جانب اخر يعتبر البعض ان اللاجئين يتنافسون في مجالات العمل والتاثير على الاقتصاد سلبا او ايجابا.
المشكلة الاخرى التي تواجهها الحكومة البريطانية وخصوصا في البرلمان هو التساؤل ، هل ان القادمين هم حقا لاجئون ام مهاجرون من دول آمنة ومستقرة ؟ والاجابة على ذلك هو تدفق اعداد كبيرة من هؤلاء الوافدين بحيث صارت تتزايد اعدادهم بشكل واضح ومثير القلق، مثال ذلك هو موجات الوافدين من ألبانيا وعبورهم الى بريطانيا عبر قوارب صغيرة عن طريق البحر والبر والجو بشكل غير شرعي ، وغيرهم من الوافدين من دول اسيوية مثل فيتنام والهند والصين ورومانيا ودول اخرى .
تواجه الحكومة البريطانية تحديا كبيرا ومعارضة عنيفة وقوية من المنظمات القانونية التي تعترض على فرض قيود على حرية الحركة والتنقل بين البلدان ، واعتراضهم على فرض قيود على شرعية اللجوء باي وسيلة او غاية تمنع وصول اللاجئين وضحايا الحروب والكوراث الطبيعية من وصولهم الى مناطق آمنة ،
يعاني اللاجئون بشكل عام من حروب طاحنة مستمرة لفترات طويلة ، تعتبر بريطانيا وحليفاتها من الدول الاخرى متهمة في اشعال هذه الحروب وعليها تحمل عواقب نتائجها مثلما حصل في العراق وافغانستان واليمن وليبيا والصومال واوكرانيا .
كذلك تعترض المنظمات الانسانية على تردد او عدم استجابة الحكومة البريطانية لتحمل مسؤولياتها بشكل مناسب عند حصول كوارث طبيعية مثل الجفاف والتصحر والبراكين والفيضانات والسيول الجارفة مثلما حصل على سبيل المثال في باكستان او الزلازل هائلة القوة والمدمرة التي ضربت كل من تركيا وسوريا وغيرها من البلدان في مناطق اخرى والتي ساعدت على هجرات جماعية بحثا عن سبل للعيش.
تواجه الحكومة البريطانية الحالية موجة من السخط والاعتراضات على ترحيل اللاجئين قسرا الى دولة رواندا في وسط افريقيا او الى دول ثالثة غير الدول التي قدموا منها بسبب عدم قدرتها على ارجاعهم الى دولهم بسبب سياسات البطش والقمع والحكم العسكري والدكتاتوري في بلدانهم .
كذلك فان التلكؤ او عدم الاسراع في البت في حسم قرار منح الاقامة او رفضها تسبب بتراكم ملفات اللاجئين حتى اصبحت عبئا ثقيلا على دوائر الهجرة في انجازها .
من ناحية اخرى تواجه الحكومة البريطانية انتقادات واسعة بسبب النفقات المالية الكبيرة في سبيل توفير السكن الملائم للوافدين من طالبي اللجوء حيث يتم صرف مبلغ ستة ملايين جنيه استرليني يوميا لتوطين اللاجئين في فنادق متفرقة في بريطانيا ، بالاضافة الى نفقات اطعامهم ومعيشتهم .
تحاول الحكومة البريطانية منع وصول اللاجئين الى اراضيها من خلال تشريع قوانين قاسية ورادعة واعتبار كل من يصل الى أراضيها بطرق غير شرعية لا يحق له البقاء في بريطانيا و يمنع من طلب حق اللجوء ويتم ابعاده الى بلاده او دولة ثالثة من ضمنها رواندا .
وايضا بذلت جهودا كبيرة من اجل تفكيك شبكات تهريب اللاجئين وشبكات استغلال الاطفال وشبكات المتاجرة بالجنس واغواء الفتيات المراهقات واجبارهن على ممارسة الفجور ، وتفكيك شبكات الارهاب والمتاجرة بالمخدرات وهذه الشبكات كلها ممولة بشكل كبير وتمتلك امكانيات مالية وسلطة قوية وتحتاج الى قوات حكومية تعمل بشكل منظم لمواجهتها ومحاربتها وايقاف نشاطاتها .
استطاعت الحكومة البريطانية ايضا ان تفعل اتفاقيات متبادلة مع دول عديدة في سبيل منع الهجرة المنظمة وتفكيك شبكات الاتجار بالبشر وغيرها من المنظمات ، كان التعاون مثمرا وناجحا مع كل من فرنسا والبانيا في سبيل منع تدفق اللاجئين القادمين عبر اراضيهما ، وهناك اتفاقات وتفاهم مع كل من الهند والباكستان والصين ودول اخرى على اعادة اللاجئين الوافدين من هذه الدول اليها .
ورغم الانتقادات الكبيرة التي تواجهها بريطانيا فانها ساعدت على توطين مئات الالاف من الوافدين اليها من هونكونغ واوكرانيا وافغانستان وسوريا والعراق ومنحتهم حق الاقامة الدائمة ولم الشمل لعائلاتهم وتأهيلهم للاندماج في المجتمع البريطاني .
تعيش في بريطانيا جاليات متعددة الهوية من اسيا وجنوب شرق اسيا والشرق الاوسط ومن افريقيا وجمايكا واوربا وغيرها من البلدان المتعددة ويمارسون طقوسهم الدينية بكل حرية ويتمتعون بحرية في ممارسة ثقافاتهم بكل تفاهم وشعور بالمسؤولية وتوفر الحكومة البريطانية الحماية الامنية والقانونية اللازمة لهم .
من المعلوم ان بريطانيا تتمتع بسمعة عالية في مجال استثمار السياحة حيث يدخلها سنويا اكثر من مائة مليون سائح من مختلف بلدان العالم ، تحاول بريطانيا بكل الوسائل أن توفرالحماية والامان والراحة لهم بعيدا عن المؤثرات الخارجية والارهاب وهي مسؤولية كبيرة وبالغة الاهمية ولا تريد من ملف اللاجئين ان يؤثر سلبا على مؤشرات السياحة فيها من خلال تسرب مجاميع إرهابية او إجرامية داخل حدودها .