نوري جاسم
في مساء عامر بالجمال الروحي والفكري، اختتم المنتدى الثقافي الكسنزاني العالمي فعاليات ندوته الثقافية يوم السبت 6 ديسمبر 2025، التي تناولت تجربة المخرج التونسي الكبير ناصر الخمير تحت عنوان (ناصر الخمير… السينمائي المتصوّف)، وقدّمها الباحث والناقد السينمائي رافد جمعة من هولندا عبر منصة Google Meet، وسط حضور واسع من الأكاديميين والمهتمين بالسينما الروحية وفنون التعبير العرفاني.
وقد قدّمت هذه الندوة قراءة عميقة في مسار سينمائي فريد جعل من الصورة طريقًا إلى الروح ومن السينما وسيلة لاكتشاف أبعاد الإنسان الداخلية، حيث مزج ناصر الخمير بين الفن السابع والتراث الصوفي العربي-الإسلامي ليصنع لنفسه هوية سينمائية متفردة تتجاوز حدود الحكاية التقليدية لتفتح أبواب التأمل والكشف الروحي.
ووقف المحاضر عند ثلاثية الخمير الشهيرة: (الهائمون – طوق الحمامة المفقود – بابا عزيز)، مؤكّدًا أنها مشروع فني متكامل يجعل من الصحراء مسرحًا للبحث عن الحقيقة ومن الإنسان كائنًا عابرًا في رحلة نحو الداخل، كما قدم قراءة مفصّلة لجماليات الصورة عند الخمير، وقدرته على توظيف الرمزية بذكاء، وتطويع اللغة البصرية لخلق خطاب روحاني يلامس وجدان المشاهد ويأخذه إلى مستويات من التأمل النفسي والوجداني لا تقل عن جماليات النصوص الصوفية نفسها.
وفي جزء بارز من الندوة، استعرض المحاضر والإدارة رؤى سماحة السيد الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان القادري الحسيني حول مستقبل السينما الصوفية ودورها في تعريف الجمهور بالتصوف الأصيل، مؤكدًا أن أي مشروع سينمائي عرفاني ينبغي أن يقوم على تقديم التصوف بصورته الحقيقية، تصوف المحبة والسلام البعيد عن التشويه والسطحية، وإبراز الجمال بوصفه طريقًا إلى معرفة الله، بحيث يصل الفن إلى القلب قبل العقل، وجعل السينما جسرًا للتعريف بالقيم الإنسانية المشتركة التي تُرسّخها المدرسة الكسنزانية، إلى جانب تشجيع إنتاج أعمال روحية تعبّر عن جوهر التجربة الصوفية بلغة بصرية راقية، وفتح آفاق التعاون بين الطرق الصوفية وصنّاع الفن لإحياء ما وصفه سماحته بـ”الروح الجمالية” في السينما المعاصرة.
وقد لاحظ المتحاورون أن هذه الرؤية تلتقي جوهريًا مع المشروع الفني لناصر الخمير، الذي جعل من السينما طريقًا للمعنى ومن الصورة وسيلة للكشف الروحي، ما يجعل تجربته نموذجًا حيًا لمقاربة الفن بروحانية صوفية عميقة، وادارة الندوة أتاحت للحضور المجال لتقديم مداخلات ثرية تناولت علاقة الفن الروحي بالمخيال الصوفي العربي ودور السينما في تصحيح صورة الثقافة الإسلامية وإبراز بعدها الجمالي العميق، وهو ما أضفى على الجلسة روحًا خاصة، حيث التقت التجربة السينمائية بالرؤية العرفانية لتطرح من جديد السؤال القديم عن دور الفن كوسيلة للسمو الروحي والارتقاء بالإنسان نحو مستويات أعمق من الإدراك والجمال.
وفي ختام الأمسية، عبّر المنتدى الثقافي الكسنزاني العالمي عن شكره العميق للمحاضر والمشاركين، مؤكدًا على استمرار هذه الفعاليات التي ترفع شأن الحوار بين الفكر والفن، وتساهم في إحياء التجربة الروحية في بعدها الإنساني الرحب، لتظل النتيجة النهائية لهذه الندوة رسالة واضحة بأن السينما، حين تتصل بالروح، قادرة على فتح أبواب جديدة للمعرفة والجمال، وتجعل من المشهد السينمائي مساحة للتأمل والإشراق الروحي، مع الدعاء الصادق بأن يظل الفن وسيلة لتجسيد القيم الإنسانية والروحانية السامية، وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما..