الإصلاح الديني في النجف الأشرف.. (آراء ومساجلات عمرها قرن من الزمان)

متابعة/ التآخي

معرض بغداد الدولي للكتاب – جناح B 11
(جعفر الخليلي وحسين مروة وآخرون يناقشون مسألة الإصلاح في النجف)
تحرير وتوثيق: محمد سعيد الطريحي

تواصل أكاديمية الكوفة اصداراتها الشهرية في سلسلة كتبها التي تحمل اسم (كتب أكاديمية الكوفة) وقد صدر الكتاب الجديد الموسوم بـ (الإصلاح الديني في النجف الأشرف) والمرقم (109) بـواقع (336) صفحة، في أول ديسمبر الحالي، ويضم القسم الأول منه مجموعة من الآراء والمساجلات التي كتبها علماء وكتَّاب من العراق ولبنان ممن درسوا في الحوزات الدينية التقليدية، ومن المقرّبين للمرجعيات أو البيئة الدينية المحافِظة، منذ أن بدأت صيحات الإصلاح تتردد في أروقة المدارس والوسط الديني في بداية القرن العشرين الميلادي.

ومن أهم المصلحين الذين حملوا راية الإصلاح السيد هبة الدين الشهرستاني (1884-1967م) أول وزير للمعارف في أول حكومة عراقية على عهد الملك فيصل الأول. والذي عبّر عن آراءه الإصلاحية من خلال مجلته (العِلم) ومن بعض الكتب والفتاوى التي كتبها آنئذ. وقد عاصره في تلك الحملة الإصلاحية جمهرة من رجال الدين الذين كانت لهم مواقف إصلاحية أيضاً، ولكلّ من أولئك جمهرة من المؤيدين، والذين تأثروا بالدرجة الأُولى بما كان يصلهم من أخبار وسجالات علماء الأزهر بالقاهرة والتي سبقت النجف في النقاش وسُنت قوانين لإصلاح النظام التدريسي وأنظمة خاصة للكليات الأزهرية وتطوير التعليم بما يواكب العصر وتنظيم البعثات الدينية، حتى بلغ الانبهار بعدد غير قليل من طلبة النجف فأبدوا رغبتهم للسفر والدراسة في الازهر الشريف.

نقد الشيخ علي الشرقي

وبلغ السجال في وقته حِدَّة غير مسبوقة بحيث نشر الشيخ علي الشرقي (الشاعر الكبير والوزير لاحقاً) مقالاً في تلك الأيام بعنوان الحركة الفكرية في النجف عدَّدَ أكثر من أربعين مسألة ينتقد بها حالة الركود في النجف وحركتها المتأخرة عن غيرها في البلدان الأخرى فحدث من جراء تأثيرها ما حدث من الضجة والصخب ومن ذلك قوله وهو يتحدث عم مدينته «وفيها عشرات من المدارس القديمة التي هي كفم الأخرس تفتح وتسد لا عن صوت» وواصل نقده بعبارة أشد فقال «النجف بلدة حجابية لا يمكنني أن أحملها لك على السفور حتى تتصفح الوجه كله».

الشيخ محسن شرارة

ومن المقالات الجريئة في تلك الفترة والتي كان لها صداها وأثارت زوبعة من النقد والتأييد من المؤيدين أو الرافضين لها، مقالة الشيخ محسن شرارة (العالم اللبناني)، وهي طويلة ومنشورة في الكتاب، وفيها يقول: (نحن في فوضى ونحن في حاجة ضرورية إلى الجرأة الأدبية في معالجة هذه الفوضى ومجابهة هذه الزوابع المختلطة التي لا بد من تعقدها في وجه كل مصلح: كثيرون هم الذين يعالجون مثل آلامنا فتظهر على فلتات ألسنتهم هذه النفثات، ولكن الوهم الذي يبعثه إرجاف الدخلاء فينا هو الحائل دون ظهور كثير من ذوي القلوب الحيَّة والمشاعر الحساسية: الدخلاء في الصنف هم السوس الذي ينخر في عظامنا فيجب إزالتهم وإلا أتوا علينا وعلى الأمة باسم الدين ولباس التقديس الذي يعجبك ظاهره ويرعشك باطنه).

رجال الفكرة الإصلاحية

جمع محرر الكتاب وموثّق مقالاته محمد سعيد الطريحي أغلب ما نُشر حينها من أفكار وآراء الأعلام الذين ساهموا في تلك الحملات الإصلاحية، وجاء الجزء الأول من الكتاب مليئاً بعشرات المقالات التي تؤرخ لعملية «الفكرة الإصلاحية» في بدء نشوئها والتي هيأ لها الشهرستاني والشيخ محمد رضا الشبيبي والشيخ مرتضى آل ياسين والشيخ محمد رضا المظفر والسيد محمد جمال الهاشمي والشيخ عبد المهدي مطر، ومن الكتاب والصحفيين جعفر الخليلي وحسين مروة، ويوسف رجيب ومحمد علي البلاغي ومحمد حسن الصوري وغيرهم جوَّاً فكرياً لِلَفت النفوس والأفكار إلى شيء غير مألوف، وتحدثت النوادي العلمية، والأوساط الأدبية، والمجتمعات العامة في هذا الحدث الطالع على القوم في ذلك الأوان.

وفي الحق أن هذا الحدث كان من أبرز مظاهر الجرأة، وكبرياء النفس؛ وعظمة العقيدة؛ ذلك أن قبضة ضئيلة من حَمَلة الشعار الديني وطلاب المدرسة الدينية النابهين ومن المنتمين إلى كِرام الأُسر العلمية في البلد؛ ينتفضون انتفاضة عنيفة في هذا الوسط؛ ويثورون ثورتهم الفكرية على نُظُم المدرسة؛ وأساليب الحياة العلمية والأدبية، ويقولون أقصى ما تتصور أن يقوله غاضب على قومه لأي شأن من الشؤون الجسام؛ ولتكن على ثقة في أن هذه الغضبة السامية القصد؛ وإن هذه الثورة الفكرية الجليلة المرامي؛ ما كان لها أن ترفع صوتها عالياً في أفق النجف.

الخليلي وحسين مروة

بدأ الكتاب بمقالات الأستاذ جعفر الخليلي، والأستاذ (الشيخ) حسين مروة (1910-1987م) والذي كان من نبهاء المحصّلين في الحوزة، (ترك السلك الديني فيما بعد وأصبح من القياديين الشيوعيين البارزين في لبنان والعالم)، وكانت مقالاتهما الإصلاحية موضع عناية في النجف وخارجها ومعظم ما كُتب في هذا الموضوع كان محرّكه الكاتب والصحافي الكبير جعفر الخليلي وهو نجفي غيور ومن أبرز الكتَّاب والصحفيين العراقيين في القرن العشرين، ومن أُسرة تسنَّمت مقام المرجعية في عصره، ولها حضورها العلمي والأدبي، وكان لآرائه الجريئة ردة فعل لدى العوام من مناوئيه ولهذا تعرض للاغتيال في مقر جريدته الذي كان في النجف وما يزال الشارع الذي كان فيه مكتب جريدته يُسمى باسم جريدته الشهيرة (الهاتف) النجفية.

الأموال المجهولة

ومن الأمور التي عالجها الخليلي موضوع الأموال التي تصل للنجف فيقول في أحد مقالاته: (لست أدري كيف تغير الوضع فأصبح الوارد الذي يدخل النجف مجهولاً، وأصبح الناس لا يعرفون مخرج المبالغ الواردة ولا وجوه صرفها بالضبط، حتى ساء الظن، وخابت الآمال، وساد الشك والارتياب على النفوس وقلَّت ثقة الناس برجالاتها ولم يحصل أي شيء يحدث لجمهور الفقراء أثراً. ويريد “الهاتف” أن يشنها غارة شعواء على هؤلاء الذين يستبدون بحقوق اليتامى، ويغمطون حقوق الفقراء، ويتجاهلون المشاريع الدينية والمشاريع الخيرية فلا يوصلون إلا أقرباءهم ولا يعطون إلا أصدقاءهم ولا يبنون إلا بيوتهم، ولا يقيمون لأحد وزناً ما لم يدافع عنهم ويذب عن شخصياتهم.

ويعلم الناس أن “الهاتف” لا يحق له الزكاة ولا يحق له الخمس ولا تحق عليه الصدقة لتحمل كلمته على محل آخر لا سمح الله فهو إذا تسدى لهذه المحاسبة القاسية وقام بالدفاع عن حقوق المسلمين الضعفاء والعمال والمساكين والبؤساء المشردين فليس يريد إلا أن يذكر كل شخص بواجبه الديني الاجتماعي وإلا أن ينصف المسؤولون هؤلاء الفقراء العاطلين فلا يفرطوا ولا ينفقوا أموال المسلمين على مآربهم الخاصة.

التفريط في الشعائر

وفي مقال الخليلي الذي كتبه عام 1936 حول جرح الرؤوس بالسيوف، وضرب الظهور بالسلاسل يقول:(..ثم تعال وأخبرني عن هذا التفريط الذي حكم الدين والعقل بحرمته. هذا التفريط الذي نهى عنه العلماء وصرخوا حتى بحَّت أصواتهم. تعال وخبِّرني عن معنى جرح الرؤوس بالسيوف، وضرب الظهور بالسلاسل إن في محرم أو في أي وقت آخر؟! أليس هذا ناتجاً عن التفريط؟).

اصلاح المنبر

ومما جاء في مقالته (رجال المنابر وواجب العلماء تجاههم): ((كأن الخمول أبى أن لا يبقى من هذا الهيكل الديني عضواً واحداً يستطيع أن يؤدي وظيفته كما كان يفعل قبلاً، فقد تسرَّب الضعف إلى بناء هذا الهيكل حتى كاد يسقط خائراً وكل واحد منا يلقي التبعة على غيره وينحي باللائمة على سواه حتى عمَّت الفوضى واستغل العوام هذه الفرصة فراحوا يغيرون ويبدّلون ويلعبون دون أن يخافوا أحداً أو يخشوا رادعاً وفي مقدمة هؤلاء اللاعبين جماعة من خطباء المنابر المعروفين (بالروزه خونية)

وقد بلغ من الاستهتار أن رقى المنبر جاهل لا يعرب المنصوب من المرفوع فيقرأ ويلعن، ويروي ويقلب الرواية رأساً على عقب، ثم تبلغ به الجسارة إلى أن يفسر النصوص كما يرى هو وكما يوحي إليه ذوقه البليد! عشرة أيام من محرم تغنيك عن دراسة عشر سنين متصلة وتجعلك مُلمَّاً بأطراف الوضع وعارفاً بحقيقة الفوضى السائدة وواقفاً على ما يرتكب هؤلاء الخطباء من خطايا وما يقترفون من ذنوب بتضليلهم العوام)).

من عنوانات كتاب الإصلاح

ولا نريد الاطالة في الاقتباس من تلك السجالات الكثيرة والتي يمكن الاطلاع عليها في الكتاب لأخذ العبرة والفكرة والتصوُّر في هذا الموضوع الذي ما يزال موضع تأمل لدى من يهمه الأمر، وهذه جملة من عنوانات الجزء الأول من الكتاب والذي ستتبعه أجزاء أُخرى مكملة مع عدد من الدراسات الخاصة بالإصلاح الديني: ((الإصلاح الديني، كيف يجب أن تنفق الأموال؟، حول التزاحم الحاصل على (الصدر) الموهوم في المجالس ولا سيما المآتم الحسينية (حين جلس الامام السيد محسن الحكيم مع عموم الناس)، إلى القائمين بأعمال منتدى النشر في النجف، ظاهرة «الاجتهاد» المزيَّف أو الاجتهاد «المستعجَل»، متى أضع العمامة، زيارة العلامة الشبيبي زعيم الفكرة الإصلاحية في مدرسة النجف، ليسمع شيوخنا كيف ينتقدون الأزهر، الموقف يحتاج إلى قيادة حازمة مخلصة فأين هي؟(دفاعاً عن “الهاتف” ورسالتها الإصلاحية).

طلاب الدراسة الدينية كيف يدرسون؟ وكيف يعيشون؟، الإصلاح الديني وموقف العلماء ومنتدى النشر منه، اتجاهات حديثة في نظم الدراسة الدينية، بادرة الإصلاح الديني فماذا وراءها، في طريق الوحدة «محرم» بين السنة والشيعة، حاجة النجف إلى إصلاح يدفع بعجلتها إلى الأمام، الشباب النجفي وما يكابده من الآلام، كتب القراءة وطريقة التدريس عند الشيعة في العراق، التوسُّع في منهاج مدرسة النجف الأشرف يساير حاجة الدين في وضعه الراهن، حوزة النجف بين الفوضى والتعليم الصحيح، فوضى اللانظام في سلوكيات الطالب الديني.

قد يعجبك ايضا