اعداد: عدنان رحمن
كتاب بعنوان ( تاريخ الكورد وكوردستان في قصص رحلة المناضلين البارزانيين إلى الاتحاد السوفيتي) باللغة الكوردية من تأليف: محمد توفيق ووردي، وترجمة للعربية: جاسم غريب هوليري، وتحقيق وتعليق: عدنان رحمن عام 2015، لم يُطبَع لحد الآن، ورد فيه:
– ” رجال قطعوا ثلاثة آلاف كيلومتر سيراً على الأقدام ،عبروا خلالها قمم الجبال والمرتفعات الثلجية فضلاً عن الوديان في كوردستان. استمرت الرحلة شهران …. قاتلوا فيها … وفيها حديث عن العشائر … والملاحم التي سطروها … ستقرأها في هذا الكتيب ………هنا“.
ورد في مُقدِّمة محمد توفيق ووردي:
– ” ساعدني في كتابة هذه الرسائل كاكه بيجان جندي ،خريج جامعة طشقند- دار المعلمين العالية ،الذي درس عامين في مدرسة (الفيتر العالي ) الواقعة في مدينة (ساراتوث ) ، وحالياً يدرس اللغة الروسية في جامعة بغداد- قسم اللغات. لقد كتبت هذه المخطوطة حتى أجيب من خلالها على اسئلة هؤلاء اللصوص والمنافقين الذين يرد ذكرهم ، وأوضح لهم عبر الوقائع التي جرت والحقائق المقنعة بالدور البطولي لمجموعة من ابطال عشيرة البارزانيين . خصوصاً المغوار ( الخالد) الملا مصطفى البارزاني .وفيها أتمنى من كل كوردي مخلص مُحّب لشعبه ووطنه حين يستمع الى الدعايات والإشاعات المُغرضة من عدوه ان لا يعير أهمية لها ولا يضعها في الحسبان ، ويجيبهم بكل فخر وشجاعة بهذا الشكل: (( انتم جواسيس، خدم، مرتزقة، صانعوا المشاكل من اجل إعاقة نيل الكورد لحقوقهم، وانتم أعداء الكورد)). بعد ان اوضحت لكم هذا الجزء اليسير في ما سبق ، أود ان اشكر من كل قلبي الاخ بيجان وسيامند لمساعدتهم لي على طبع هذه المخطوطة التاريخية ، لأضعها بين يدي القراء من ابناء جلدتي الشجعان لينهلوا منها المعلومات في المستقبل ويعرفوا الحقيقة الناصعة من أجل ان يتذكروا هؤلاء الابطال التي ترد سيرتهم النضالية وما قاموا به من اجل القضية الكوردية العادلة. لانهم كانوا حقاً رجال الملاحم والبطولات. جدير ذكره الى ان هذا الكتيب قد طبع في مطبعة صلاح الدين التي كانت في بغداد العام 1961“.
ورد في متن الكتاب عن اخبارهم عندما كانوا في الاراضي الايرانية:
– ” كانت الحكومة تريد إبادتنا بشكل كامل لتشبع ثلاثة حكومات تابعة للمستعمرين (العراق، ايران، وتركيا ) من شرب دماءنا ، فاتخذت الخطوات اللازمة باتخاذها الاجراءات الكفيلة بمعرفة وجهتنا من خلال التنسيق مع الدول أعلاه. في الوقت الذي كانت الجهود متواصلة للعمل بما اتفق عليه عند انشاء الحلف بين هذه الدول وأفغانستان التي سميّت بميثاق ( سعد آباد) وذلك للقضاء علينا بضربة واحدة وللأبد . وان نصبح لهم لقمة سائغة وان نكون فريسة سهلة لهم. في المقابل كان علينا البحث عن خطة تواجه خططهم وان تكون خطة محكمة تضعهم في حيرة من أمرهم بحيث نصل الى المنطقة التي نريدها بصورة لا يعلمون عنها شيئاً. فوضع القائد ( الخالد) ملا مصطفى البارزاني خططه ، وأخبر رفاقه بما عزم على القيام به ، وشددّ على ان لا يعرف الأعداء بالضبط اننا عازمون على الذهابالى الاتحاد السوفيتي السابق. حيث كان القليل منّا يعلم بتوجه القائد ملا مصطفى البارزاني وتفكيره بالذهاب مع رفاق دربه ونضاله الى الاتحاد السوفيتي السابق. فأمرهم جميعاً بأن يعدّوا لهذا الامر وتهيئة مستلزمات الرحلة الطويلة التي سوف تستغرق اسبوعا او اكثر من زاد وماء.لِذا أسرعنا في تنفيذ الاوامر التي اعطيت الينا من قبله ، وتمكنا من جمع كمية لا بأس بها من الطعام التي توفرت لنا كي لا نذوق مرارة الجوع. واصلنا المسير بحذر شديد تاركين ارض كوردستان العراق باتجاه قرية ( دري) القرية الكوردستانية العراقية الأخيرة حتى دخلنا اراضي كوردستان تركيا”.
وعندما وصلوا الى اراضي كوردستان تركيا اورد عنهم الووردي:
– ” كانت قرية ( بيداوي) أول قرية كوردستانية شاهدناها في طريقنا الى كوردستان تركيا وسرنا بمحاذاة المخفر التركي ، الذي كان من حسن حظنا خالياً من افراد حرس الحدود. حيث غادروها قبل وصولنا الى المنطقة ، كان هذا جيداً لنا حيث لم يحصل اي احتكاك بهم وجنبتنا الاصطدام بهم”.
وتحت عنوان ( كيف تسقلنا جبل بيداوي) اورد:
– ” جبل ( بيداوي) جبل زلق ، وكل ما فيها قاسي جداً فطولها يتراوح بين (5- 6) كم، وقمته مُغطاة بالثلوج ، مما يجعل السير عليها صعباً جداً ، حيث اصبحت مصدراً للخوف والقلق عندنا ، فلو سقط احدنا من عليها فسيتحطم الى اشلاء او حتى الاختفاء احيانا حيث لن يتم العثور على اثر له. في هذه المنطقة تعبنا من أجل نقل مرضانا وجرحانا حتى لا يتعرضوا الى الموت في حال تركناهم في المنطقة التي كنّا فيها . كان الاقوياء منّا يحملونهم على ظهورهم. كُنا نسير الواحد تلو الآخر بحذر شديد خوفاً من السقوط الجماعي، بعد جهود جبارة وصلنا الى قمة الجبل ، ومن ثم بدأنا بالنزول الى الاسفل باتجاه منطقة ( نشبو) . على الرغم من ان هذه العملية كانت صعبة جداً وشاقة { أي عملية النزول}. كنّا قد ربطنا البعض من مرضانا على خشبة طويلة ( على طريقة سحب عربات الحمل) لنسحبهم بحذر الى الاسفل. وعندما وصلنا الى المنحدر كنّا نتضور جوعاً بشكل لم نحسّ بهكذا احساس من قبل. كانت قوانا قد خارت من التعب ، فمكثنا في منطقة نشبو من اجل التمتع بقسط من الراحة. قام اهالي القرية بمساعدتنا كثيراً فلولاهم لقضيَ على العديد منّا حيث اخذ الجوع منهم مأخذه، بعد أن أصبنا بالوهن عند المسير. (( وكورد تركيا النجباء ساعدونا لإحساسهم بأننا اخوتهم حسب مقدرتهم واستطاعتهم، ولم يقصروا معنا))“.
وتحت عنوان ( كيف عبرنا نهر بادينان) اورد:
– ” ينبع نهر بادينان من ارض كوردستان تركيا، ومصبّهُ يتكون من أكثر من مئة ينبوع ومُحاط بكثير من الاعشاب ، ويجب على الذي يرمي المرور في هذه المنطقة ان يكون عالماً بخفايا شعبها والتواءاتها. إذا نظرت الى جبال كوردستان تركيا في الحدود ، تجد ان السلطات التركية قد وضعت مخافر شرطة حدودهم على قمم الجبال ، بحيث يكون من السهل على افرادها الاشراف على المنظر الذي أمامهم من كل الجهات. حيث يكون جميع المارة بالقرب من الجبل تحت مرماهم ويستطيعون استعمال جميع انواع الاسلحة من هاونات وقذائف واطلاقات لهذا الغرض. لذلك شعرنا بخطورة العبور بالقرب من هذه المخافر وانه محال ان نمر دون نتعرض الى الاذى والقتل ربما. بعد ان تعرّف علينا أحد الكورد المخلصين من تركيا ، من الذين كان عارفاً بالطرق وخفاياها في المنطقة اصبح دليلنا في المسير فادخلنا في طرق فرعية تشبه التواءات الحيَّة. اجتزنا فيها طرق وعرة جدا فيها الاشجار العملاقة والحشائش المختلفة وانواع القصب وانواع من النباتات الطبيعية ، لكن المرور في هذه الطرق كانت لها فوائد لنا من حيث الابتعاد عن أنظار العدو المجهول لنا. حيث لم نكن نعلم مَن سيتعرض لنا . كانت هذه الطرق هي طرق المهربين الذين يسعون الابتعاد عن أنظار رجال السلطة من جيش وشرطة. في هذه الاثناء أمرنا القائد ملا مصطفى البارزاني بالابتعاد عن التدخين او إشعال الحرائق او اطلاق النار، لكي لا نجذب الانتباه . حتى طلب منا عند تحدثنا مع بعض ان نتحدث بالهمس ، وذلك لقربنا الشديد في بعض الاحيان من المخافر التركية. كان افراد المخافر يجهلون بأننا سائرون في طرق بعيدة عن انظارهم ،واننا مستعينين باحد الكورد الأوفياء من تركيا من أجل ذلك، لكنهم حين وصلتهم المعلومات الاستخبارية حول قصة هروبنا من العراق. بعثوا مجموعة من أفراد الجيش التركي المرابط في المنطقة من المدججين بالسلاح، وايضاً قامت طائراتهم بالتحليق فوق المنطقة والقاء القنابل بشكل عشوائي على المنطقة المفترضة لهم اننا موجودين فيها. لكن كل محاولاتهم تلك باءت بالفشل”.
وتح عنوان ( ذهابنا الى ارض كوردستان ايران) اورد:
– ” عند العصر وصلنا الى اراضي كوردستان ايران الحدودية بين تركيا وايران، عند وصولنا كانت الامطار غزيرة فضلاً عن الزوابع المرعدة ، وكنّا نحن العشرين مقاتلاً جياعاً الى حد كبير. لم نكن نملك غير حفنتين من الرز الغير مطبوخ ، فاشعلنا ناراً وغطينا دخانها وشعلتها بمعاطفنا للمحافظة على توقدها وملأنا الابريق الذي كان بحوزتنا بكمية من الثلج ووضعنا الابريق على النار حتى ذاب الثلج واصبح ماءاً ثم وصل الماء الى درجة الغليان فاضفنا له الرز الذي بحوزتنا حتى اصبح جاهزاً للأكل. أكلة الرز كانت من غير ملح ولا زيت ، كانت هذه الحبيبات القليلة التي تناولها كلاً منّا البلسم الشافي لشعورنا بالجوع، كانت لنا هذه الحبيبات ألّذ من كل مأكولات المطاعم والفنادق. كانت الثلوج تغطي الطريق الذي كنّا نروم سلكه ، كانت تسقط بكثافة في ايام الربيع الباهت تلك حتى اصبحت تشبه المرآة أو كخروف املس عار للرآئي ، فشرعنا بتفتيته باخمص بنادقنا ونسير خطوة خطوة بعد ان نزيل الثلوج الى جانبي الطريق. كان الخوف يخيّم علينا بسبب قلقنا من تزحلقنا لارتدائنا الاحذية ، فقمنا بنزع احذيتنا والسير على الجليد بالجوارب التي كنّا نرتديها. كان الاقوياء منّا يسيرون أمامنا لتهيئة الطريق ، ونظراً لصعوبة الموقف وكثافة الثلوج سقط ثلاثة من مقاتلينا بعد ان تدحرجوا نحو الوادي، لكنهم لم يصابوا بأذى بالغ ، فقط بعض الرضوض البسيطة. كانت عزيمتنا قوية للوصول الى ما خططه لنا قائدنا الملا مصطفى البارزاني فضلاً عن ايماننا الراسخ بمبادىء الثورة الكوردية التي نتعتق افكارها. لكن الجوع والعطش أوهن قوانا واصبحنا كالهياكل العظمية.بعد خمسة ايام من رحلتنا التي قضينا منها اثنان وخمسون ساعة في المسير من دون أخذ قسط من الراحة أو النوم وصلنا الى ارض كوردستان ايران.في هذه الفترة العصيبة جداّ التي مررنا بها كنّا نقطع الجبال والوديان والتلول والمرتفعات وفيها عثرنا على نبتة طبيعة طعمها فيه قليل من الحموضة تؤكل بشكل تلقائي ، تنبُت في سفوح جبال كوردستان. هجمنا عليها وبدأنا بتناولها دون الاكتراث بتنظيفها وازالة الطين منها من شدّة الجوع، وبسبب حموضتها بدأنا بالشعور بالعطش لكن هذا لم يكن مهماً عندنا ،لان بطوننا كانت خاوية“.