ديمة جمعة السمان
ناقشت ندوة اليوم السابع المقدسية الأسبوعية الثقافية رواية «سلالة من طين» للكاتبة قمر عبد الرحمن، صدرت الرواية التي قدّم لها الأديب محمود شقير عن دار الرقمية عام 2025، وجاءت في ١٧٢ صفحة من الحجم المتوسط.
افتتحت الأمسية مديرة الندوة ديمة جمعة السمان فقالت:
تخوض رواية “سلالة من طين” منطقة صعبة على أي روائي، لأنها تحاول التقاط واقع قائم بكل قسوته وتشابكاته، وهو واقع لا يسمح بسهولة بتحويله إلى سرد مقنع دون مهارة عالية في البناء وتقنية متماسكة.
وتواجه الكاتبة هنا تحديًا بين ما تراه أمامها وما تستطيع صياغته على الورق، فتكتب عن لحظة اجتماعية وسياسية مأزومة، وتحتاج إلى جهد كبير لتجسيدها بطريقة يتقبلها القارئ ويؤمن بصدقها.
تسعى الكاتبة إلى الإمساك بأكثر من خيط في آن واحد، لكنها تتعثر أحيانًا في اللغة التي تظهر ركيكة في بعض المواقع، وتتردد بين الراوي العليم والبطل آدم الذي يبدأ فجأة بالتحدث بصوته الخاص دون تهيئة كافية، ثم تعود إلى الراوي من جديد. هذا التنقل المفاجئ يربك القارئ ويضعف تماسك البناء السردي.
تتجه الكاتبة إلى الاحتماء بالعاطفة لتخفّف قسوة الوقائع، فتعرض علاقة آدم بالدكتورة هبة التي تكبره بعدة سنوات، محاولة عبر هذه العلاقة أن تُؤنسن المشهد العام وتربط بين الحب وغزّة الجريحة، بحيث يتحول البعد الإنساني إلى جسر يطلّ منه القارئ على الألم السياسي والاجتماعي.
تُبرز الرواية جانبًا اجتماعيًا مهمًا أيضا، حين تتناول قمع المرأة وظلمها، وتجسّد ذلك في قصة مريم التي تُعذَّب على يد زوجها وحماتها، وتتعرض للحرق بالماء الساخن، زمع ذلك يستهجن والدها عدم عودتها لبيت زوجها، الذي ينحاز للتقاليد على حساب حياة ابنته. وتنجح الكاتبة في كشف حجم المأساة عندما يدفع الأب ابنته نحو موتها عبر رفضه تصديق معاناتها، فتفارق الحياة، ونُترك طفلتها الرضيعة “شفا” بلا أم. ويبرز هنا موقف آدم، أخوها، الذي يشجعها على تبليغ الشرطة، ويرفض الخنوع، ليظهر جيلًا جديدًا يرفض الظلم.
تتناول الكاتبة أيضًا صعوبة الاعتقال الإداري، وتصور التيه النفسي الذي يعيشه المعتقل وهو لا يعرف موعد الإفراج عنه، فينتظر سنوات تُسرق من عمره بلا يقين، حتى يصبح الحكم المؤبد أسهل على المعتقل من هذا الانتظار المعلّق.
وتضيف الرواية لبنة جديدة للمكتبة العربية لأنها تكتب عن حرب غزّة، فتمنح الفلسطيني صوتًا يصل إلى العالم، وترسّخ الرواية كل ما هو حقيقي في هذه القضية التي لا تحتاج إلى تزيين، لأنها في جوهرها حكاية شعب يقاوم كي يظل حيًا.
وقال محمود شقير:
بلغة خبرية جيدة مطعمة بصياغات شعرية جميلة، وبسرد روائي يشي بقدرات لافتة، وباستخدام ناجح لتجليات اللغة المحكية القريبة من اللغة الفصيحة في حوارات الشخوص، وهي تتابع في روايتها مصائر شخوصها بنوع من الرعاية والحنان.
إذ من خلال انتحار مريم التي ظلمها زوجها وأبوها، الأب الذي مات حزنًا وألمًا على ابنته، وكذلك من معاناة ابن العائلة نضال في السجن الإسرائيلي، المعاناة التي يحدّ الأمل بالحرية من تفاقمها، الحرية التي يتضاءل منسوبها حين يخرج من سجنه الصغير ليجد نفسه مع شعبه في سجن كبير، ومن رغبة آدم شقيق نضال في الاقتران بفتاة تكبره بثلاث سنوات، ثم يجري تأجيل الفرح من جراء الحرب العدوانية التي شنتها دولة الاحتلال على غزة، تتابع الكاتبة قمر عبد الرحمن مصائر شخوصها بالرعاية والحنان، لكن مأساة غزة على كل صعيد تحبط كل الرغبات، وتكدّس مزيدًا من الآلام في طريق شعب مكافح صامد يأبى الذل والهوان.
لذلك، لا يبقى أمام آدم في ظل انسداد الآفاق إلا البحر الذي يرى امتداده الفسيح من نافذة غرفته، يألفه حينًا وينقم عليه حينًا آخر، ولا يبقى أمامه سوى حبيبته هبة التي أشعلت في قلبه حبًّا عارمًا، فهل تحقق لآدم ما يريد؟ أترك للقارئ العتيد تأمل التفاصيل الحميمة لهذا الحب الذي ترعرع في أجواء الحرب وقذائف العدوان.
وكتبت وفاد داري:
تحمل ملامح حكاية فلسطينية كثيفة تتشابك فيها الفجيعة مع أقدار الحب والحياة. ومنذ الصفحات الأولى، عبر كلمةٍ تمهيدية للأديب محمود شقير، تنفتح الرواية على نافذة تعريفية واسعة تُضيء معالم سردية الرواية قبل الدخول في دهاليزها؛ وهي مقدّمة كُتبت بأسلوب شقير الأدبي الرشيق، وإن منحت القارئ جرعة مبكرة من التوضيح قد تُضعف قليلاً متعة الاكتشاف الأولى لمن يفضّل أن تتولّد الدهشة داخل النص نفسه. ومع ذلك، ورغم هذا الإفصاح المبكّر، فإن مواصلة القراءة سرعان ما تبدّد ذلك التردّد الأولي؛ فالرواية تحمل من العمق الإنساني والتوتر الدرامي ما يجعل الانغماس في تفاصيلها ضرورة جمالية، لا مجرد متابعة سردية. إنها رواية تستحق القراءة حقاً، وتنجح في أن تُعيد تشكيل العلاقة بين القارئ والنص عبر سرد يمزج بين الحميمي والوطني، وبين البكاء الداخلي وصوت الحياة الذي لا يخفت.
العنوان: “سلالة من طين” يوحي بهوية تتشكّل من المادة الأولى: الطين، رمز الخلق والخصب والصمود، لكنه أيضاً رمز التشوه والجرح والعودة الدائمة إلى نقطة البدء. إضافة العنوان الفرعي “غزة الباكية” يحمّل الرواية منذ البداية منظوراً وجودياً مأزوماً؛ مدينة تصنع أبناءها من الطين ذاته الذي تُدفن فيه أحلامهم.
أما الغلاف بلونيه الأصفر المتوهّج في الأعلى والأزرق المعتم في الأسفل، فهو يخلق ثنائية (الضوء والظلام)، (الأمل،القهر)، ويضع شخصية تقف عند تخوم البحر وهو رمز مركزي داخل الرواية تحدّق في المدى، في استعادة بصرية لأسئلة الحرية والنجاة.