من الفانوس الزجاجي إلى الشاشة الذكية: قصة التلفزيون بين الاكتشاف والتأثير والتحوّل

د. ابراهيم احمد سمو

من بين الأمور التي تستحق الذكر في هذا العصر السريع، تأتي الشاشة بوصفها واحدة من أهم النوافذ التي انفتحت على العالم الخارجي، وانعكست آثارها على تفاصيل حياتنا اليومية. فقبل أكثر من مئة عام لم يكن أحد يتخيّل أن صندوقاً مضيئاً سيغيّر شكل البيوت، ويصبح جزءاً أساسياً من الثقافة والعائلة والذاكرة.

تبدأ قصة التلفزيون مع سلسلة من الاكتشافات العلمية المتتابعة. ففي عام 1884 اخترع المهندس الألماني بول نيپكو قرص نيپكو الذي اعتُبر اللبنة الأولى في نقل الصور ميكانيكياً. ثم جاء العالم الإسكتلندي جون لوجي بيرد ليحقق أول بث تلفزيوني تجريبي عام 1926 مستخدماً نظاماً ميكانيكياً بدائياً. وفي الجانب الآخر، كان العالم الأمريكي ذو الأصل الروسي فلاديمير زوريكين يعمل على تطوير أنبوب أيكونوسكوب الذي أسهم في الانتقال إلى التلفزيون الإلكتروني، بينما قدّم العالم الأمريكي فيلو فارنزوورث أول نظام تلفزيوني إلكتروني كامل عام 1927، مما جعل التلفزيون ينتقل من الخيال العلمي إلى التطبيق الواقعي.

بعد هذه الاكتشافات، شهد العالم في الثلاثينيات والأربعينيات بدايات البث التلفزيوني الحقيقي، لكن انتشار التلفزيون على نطاق واسع لم يبدأ فعلياً إلا بعد الحرب العالمية الثانية. ومع منتصف القرن العشرين أصبح التلفزيون الأبيض والأسود ثورة اجتماعية وثقافية، إذ اجتمعت حوله العائلات لمتابعة الأخبار والأفلام والسهرات، وأصبح ضوء الشاشة جزءاً من دفء البيوت.

ولعقود طويلة، كان التلفزيون الأبيض والأسود رمزاً للتطور، ومركزاً لتجمع الأهالي حول طبق الطعام أو ضيافة المساء، تابعوا ما يحدث في عالمهم الصغير، ذلك العالم الذي كان مليئاً بالدهشة رغم محدوديته. ومع بدايات الستينيات، بدأ إدخال تقنيات جديدة في صناعة الشاشات، منها استخدام مواد محسّنة وطبقات شفافة على واجهات الأجهزة، وصولاً إلى تقديم التلفزيون الملوّن الذي ظهر تجارياً في الستينيات، وأصبح خلال السبعينيات نقطة تحوّل كبيرة في عالم الضوء والصورة.

ومع دخول اللون إلى الشاشة، تغيّر كل شيء: ارتفعت جمالية الصورة، وتنافس الناس على شراء التلفزيون الملون الذي كان في البداية حكراً على بيوت الأغنياء والمعلمين وبعض الميسورين. كانت البيوت تفتح أبوابها للجيران كي يشاهدوا برنامجاً أو فيلماً أو حتى سهرة نهاية الأسبوع، وكم من الأطفال عاشوا لحظات لا تُنسى وهم يشاهدون أفلام الكارتون في بيوت غير بيوتهم!

لقد كان الحصول على تلفاز حلماً وصعوبة، وكان دخوله إلى البيت يعد حدثاً كبيراً. ولأهمية هذا الجهاز وتأثيره العالمي، أعلنت الأمم المتحدة عام 1996 يوم 21 نوفمبر بوصفه اليوم العالمي للتلفزيون تقديراً لدوره في نشر المعرفة وربط الأمم وتبادل الثقافات.

ومنذ ذلك التاريخ تسارعت الشركات العالمية في تطوير هذا الاختراع العجيب:
من الشاشات الضخمة إلى الشاشات النحيفة،
من أنابيب الكاثود إلى البلازما،
ومن الـLCD إلى LED ثم OLED،
حتى أصبحت الشاشات اليوم فائقة الدقة، ذكية، وتفاعلية، وتُعلّق على الجدران مثل اللوحات.

ومع كل هذا التطور، امتلأت البيوت بالشاشات وتبدّل التلفزيون عدة مرات عبر السنين، لدرجة أن بعض العائلات تغير جهازها كل عامين أو ثلاثة.

لكن المفارقة أن التلفزيون، الذي كان قبل عقود لغزاً وحلماً ونافذة لا تُقاوَم، أصبح اليوم يقف صامتاً في كثير من البيوت. فبعد ظهور التكنولوجيا الحديثة، وخاصة الهاتف الذكي، تغيّرت العادات بشكل جذري. بات الناس يقضون ساعاتهم على التطبيقات المتنوعة: السناب، التويتر، اليوتيوب، فيسبوك، الماسنجر، الواتساب وغيرها، حيث الصوت والصورة والفيديو والتفاعل اللحظي.

أصبحت الشاشة الكبيرة ثابتة على قنوات محدودة، بينما انتقل العالم كله إلى الكفّ الصغيرة التي يحملها الجميع في أيديهم. ومع ذلك، يبقى التلفزيون جزءاً أساسياً من ذاكرة الأجيال؛ حكاية تطور، ورفيقاً للحكايات القديمة، ونافذة لا تزال تحفظ مكانها مهما ازدحمت الخيارات الحديثة.

قد يعجبك ايضا