محمد علي محيي الدين
في مدينة الحلة، تلك التي تجمع بين إرث بابل وظلال النهر، ولدت القاصة ليلى عيال عبود المرشدي عام 1972، وفيها تربّت على أصوات الحكمة والماء والنصوص المقدسة التي تمر عبر الأزقة. لم تكن القراءة عندها هواية عابرة، بل شغفًا متأصّلًا تسلل إلى وجدانها منذ الصبا، فتحوّل لاحقًا إلى تلك الملكة الأدبية التي تنبت مثل شجرة في أرض خصبة من التأمل والوجدان.
لم تكتفِ ليلى بدراسة الأدب أو اللغة، بل اختارت المسرح، الفن الأكثر احتكاكًا بالحياة. التحقت بقسم التربية المسرحية في كلية الفنون الجميلة – جامعة بابل، وتخرجت عام 1995، وهي السنة التي دشّنت فيها – بصمتٍ أنثويٍّ مؤمن – بداية مسيرتها كمعلمة تُشرف على العقول الصغيرة، وكاتبة تشرف على ملامسة أعماق الكائن البشري في قصصها.
ليلى عيال ليست كاتبة قصص وحسب، بل هي امرأة تكتب من قلب التجربة، ومن رحم المعاناة، ومن مسافةٍ قصيرة بين القلب والواقع. بدأت بنصوص نثرية تستنطق فيها الأنوثة المقهورة والذات المتأملة، ثم مالت نحو كتابة القصة القصيرة، كمن وجد في هذا الفن وسيلة للمقاومة، وشكلًا أدبيًا يتّسع لمشهد الحياة العراقي بكل ما فيه من تناقض ومرارة وأمل.
أصدرت أولى مجموعاتها القصصية بعنوان “نهايات لا تصل”، وهي مجموعة ترصد تلك اللحظات المنكسرة التي لا تبلغ خواتمها أبدًا، بل تظل معلقة بين الاحتمال والخذلان. في قصصها، تسرد ليلى بصوت داخلي لا يصرخ، لكنه يوجع، لأنه حقيقي. ثم توالت نصوصها في “بدأت بك” و”ما كان لي”, وهي كتب تحتفي بالمناخات النفسية، والمقاطع الشعورية الهامسة التي كثيرًا ما تغفل عنها القصص المباشرة.

لكن انطلاقتها الأبرز جاءت مع مجموعتها اللافتة “ضحكة إبليس”, التي صدرت عن دار الصواف. حمل هذا الكتاب بين دفّتيه 25 قصة قصيرة، جاءت كقطعٍ بلورية من الوعي الأنثوي، ومن قراءة دقيقة لتفاصيل اليوميّ، حيث تتقاطع القيم والأهواء والخسارات والانكسارات، وتعلو “ضحكة إبليس” كرمز للعبث، للخذلان، للشر الخفي الذي يتربص بالإنسان من داخله.
يقول النقّاد إن ليلى تكتب القصة القصيرة لا كحدثٍ يُروى، بل كنبضٍ يُسمع، وكأنّ كل جملة عندها هي صوت داخل رأس أنثى تواجه قسوة العالم بأدوات ناعمة، لكنها قاطعة. وهي بذلك تقف في موقع مميز من السرد الأنثوي العراقي، حيث توازن بين اللغة المشبعة بالعاطفة، والبناء الفني المتماسك الذي لا يتهاوى أمام تيار الحكي العاطفي الجارف.
وقد كتب عن تجربتها عدد من الأدباء والقراء الذين رأوا فيها صوتًا صادقًا، لا يفتعل البطولة النسوية، بل ينسجها بتلقائية في تفاصيل امرأة تهدهد أبناءها، وتخفي حزنها في المطبخ، أو تكتب رسائلها الصامتة في الغرف المغلقة. ليلى ليست متمرّدة صاخبة، لكنها تشتغل على التمرّد الخافت، الذي يجعل القارئ يقف أمام القصّة طويلًا ويسأل نفسه: كيف مرت هذه الطعنة دون أن أراها؟
في قصصها، تبرز مهاراتها المسرحية أيضًا، فهي تعرف كيف تبني المشهد، وتوزّع الضوء، وتترك الصمت يتكلم أكثر من الشخصيات. هذا الحس المسرحي جعل قصصها مشبعة بالحوار الداخلي، بالإيقاع النفسي، وبالدقة في بناء الحركة واللغة.
وإلى جانب كتابتها القصصية، شاركت في العديد من الفعاليات الثقافية والأدبية، حيث شغلت مسؤولية المنتدى الأدبي الإبداعي، في اتحاد أدباء وكتاب بابل، مؤكدة بذلك حضورها ليس فقط ككاتبة، بل كفاعلة في المشهد الثقافي المحلي، ومساهمة في رعاية المواهب والمشهد الأدبي العام.
ومع مجموعتها القادمة “حبيبتي”, والتي هي الآن قيد الطبع، ينتظر النقّاد والقرّاء خطوة جديدة في مشروعها القصصي، الذي بدأ بخطوات واثقة، ويسير اليوم على أرضٍ صلبة من الموهبة والتجربة والحسّ الفني الراسخ.
ليلى عيال تكتب لأن القصة عندها ليست ترفًا، بل ضرورة، لأنها تؤمن بأن الكتابة للمرأة العراقية ليست ترفًا روحيًا، بل وسيلة نجاة، ومتنفسٌ لقول ما لا يُقال، واعترافٌ وجوديّ بأن الحرف أحيانًا هو الطريقة الوحيدة للبقاء.