الإطار الثقافي للتفكير الفلسفي

د. نزار الربيعي

التفكير الفلسفي ظاهرة ثقافية ذات دلالة اجتماعية خطيرة، فهو – كالتفكير في العلم والسياسة والأدب والفنون – نشاط فكرى ينشأ استجابة لحاجة اجتماعية، ويتأثر ويتلون بظروف المجتمع السياسية والاقتصادية. والعلمية والدينية. وهو يقوم استجابة للحاجة إلى إيجاد التكامل في السلوك: الجماعي واستعادة توازنه الذي يكون قد اختل نتيجة للتناقض في الاهتمامات والمصالح على المستوى الجماعي.

فحينما تكون اهتمامات ومصالح الأفراد والجماعات من البساطة وعدم التعقيد بحيث تتداخل في بعضها البعض في سهولة ويسر، وحينما لا تكون على درجة من التبلور والتعقيد تجعلها تتنازع وتتصارع في هذه الحال لا تكون الحاجة إلى الفلسفة ماسة وملحة. ولكنها تكون هكذا حينما تتضارب المصالح والقيم والغايات الاجتماعية ، حينما تتعارض مثلا مصالح وقيم المحافظين – الذين يرتبط نفوذهم بالأوضاع التقليدية الموروثة – مصالح وقيم التقدميين الذين يسعون إلى تطوير الأوضاع القائمة، أو حينما يتعارض الاهتمام العلمي مع لاهتمام الديني وتتعارض المصالح والقيم التي تقف وراء كل منهما، أو حينما تصطرع مصلحة اقتصادية مع مصلحة علمية، أو يتعارض الاتجاه العلمي مع الاتجاه السياسي . . . في مثل هذه الحالات كثيراً ما تقوم الثقافة بذلك النشاط الفكري الذي نسميه فلسنمة ، ذلك النشاط الذي يساعدها على مواجهة ذاتها، على إعادة النظر في قيمها ومعتقداتها واهتماماتها وأساليبها الفكرية واتجاهاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية . . ويصبح هذا النشاط الثقافي الفكري وسيلة هامة من وسائل الثقافة للتحكم في تناقضاتها وصراعاتها وتوجيهها في اتجاه أو آخر؛ أي يصبح وسيلة للتطوير الاجتماعي.

ونحن لا يمكننا أن نفهم منشأ التفكير الفلسفي ووظيفته إلا في هذا الإطار الثقافي وفي ارتباطه الوثيق بمشكلات هــذه الثقافة وتوتراتها وصراعاتها. فالتفكير الفلسفي – كما أكدنا– ليس ترفا فكريا وليس بحثا ((موضوعيا)) عن الحقيقة لا تلعب فيه قيم الفلاسفة دورا مركزيا، إنما هو دائماً أبدا دفاع أو هجوم – أو مزيج منهما – موجه لبعض القيم والمعتقدات والاهتمامات والمصالح التي تموج بها الثقافة. ومعظم النظم الفلسفية، سواء ما حاز منها القبول ونال رضى السلطات أو الجماعات، أو رمى بالهرطقة والزندقة، تعبر عن معتقدات واهتمامات الجماعات المختلفة وهي تتصارع ضد الطبيعة أو ضد بعضها الآخر. وحتى في الحالات التي تحمل فيها الفلسفة طابعا عاما عالميا وتعتقد، أو تدعى، أنها تسمو عن المحلية الضيقة والاعتبارات الثقافية المرهونة بمجتمع حتى في هذه الحالات ليس من العسير أن نبرهن على نبرهن على أن هذه المحاولات الفكرية في تفسير الوجود وفي تناول مشكلات الناس لم تتم – ولم يكن لها أن تتم – إلا من زاوية محلية وزمنية محددة ومن زاوية بعض القيم المختارة للحياة في هذه الفترة التاريخية.

ونحن نؤكد ضرورة هذا التحليل الثقافي للفكر الفلسفي لأن هناك فئة من الفلاسفة المحدثين زعمت أنها تختلف اختلافا جوهريا عن الفلاسفة. القدامى من حيث قدرتها على التحرر في نظمها الفلسفية من تأثير ذلك المركب المعقد الذي نسميه ثقافة، أي من تأثير تلك الظروف والملابسات والقوى والصراعات والتوترات التي يموج بها المجتمع. فلقد ظن كل من باكون وديكارت وكنط أن الفلسفة الحديثة عموما، وفلسفة كل منهم على وجه الخصوص، متحررة من الاعتبارات والقيود الثقافية، وظن كل منهم أنه بسبيل إقامة صرح جديد للفلسفة يقوم على أساس جديد هو الأساس العقلي البحث.

وفي رأينا أن الفلسفة عندهم كانت مثلما كانت عند غيرهم – مهمة ثقافية لتناول مشكلات الثقافة وتناقضاتها وصراعاتها، كانت نقدا أو دفاعا أو توفيقا فكريا بين مصالح وقيم متعارضة. فالفلسفة قد تعالج موضوعات ((الحق المطلق))، ((الوجود الخالد))، أو تناقش مسائل فلسفية بحتة تتعلق بالزمان والأبدية، السببية والعلية، المادة والحركة أي مسائل يبدو أنها لا تتصل من قريب أو بعيد بالمشكلات الثقافية. وعلى الرغم ذلك فهي لا تزال عملية تاريخية لها معالم زمنية محددة ومواطن محلية متعددة متنوعة. وإذا تعمقنا في دراسة كتابات الفلاسفة على اختلافهم وتباينهم وفى دراسة المشكلات التي تناولوها في شتى ميادين الفلسفة (الاخلاق، المنطق، الميتافيزيقا، الابستمولوجي) وجدنا أن هذه المشكلات تعكس، بدرجات متفاوتة من الوضوح، مشكلات مجتمعاتهم وما كانت تقاسيه من أزمات وتوترات أو تناقضات بارزة أو مستترة، ووجدنا في التحليل النهائي أن كل فلسفة من هذه الفلسفات ليست سوى مجموعة من القيم والتحيزات تعكس – موقف الفيلسوف الاجتماعي من مشکلات عصره الأساسية. وتعبر عن برنامجه للعمل الاجتماعي إزاء هذه المشكلات. ولذلك نقول إن الفيلسوف يعكس دائماً أبدا معتقدات عصره وألوان الصراع القائمة فيه وأطماح الناس وآمالهم حتى ولو كان يناقش مشكلات تتعلق بالعلم الطبيعي أو يناقش مشكلات عصر تاريخي آخر غير عصره أو مشكلة من المشكلات الفلسفية الشكلية المألوفة وهو بطبيعة الحال يعكس هذا كله من زاويته الخاصة وبأسلوبه الخاص في إطار المعارف العلمية والثقافية القائمة.

إذا نظرنا هذه النظرة الثقافية للفكر الفلسفي لم تعد المنازعات الفلسفية مجرد منازعات أكاديمية لفظية؛ بل أننا نعلم أن بعض هذه المنازعات لم تثر ثائرة المدرسيين فقط إنما أثارت رجال الكنيسة والقضاء وهيجت الحكام ووصلت أحياناً إلى حلبة السوق لا لشيء إلا لأنها كانت تمثل صراعاً طبقياً وثقافياً، صراعاً بين جماعات مختلفة داخل الثقافة. هذه المنازعات الفلسفية التي كانت تقسم الناس إلى شيع وأحزاب وفئات ومدارس كانت تعبر عن اختلافات وتناقضات أصيلة في الاهتمامات والمصالح والقيم، كانت تعبر عن اتجاهات متعارضة في التغير الاجتماعي.

إن مجال التفكير الفلسفي إذا هو أساسا هذه المشكلات والتوترات والأزمات والهزات الاجتماعية، ووظائفه لا بد أن تتحدد في هذا الإطار. و من هذه الوظائف – كما سنرى في هذا الفصل – تسجيل هذا الصراع وإبرازه وتوضيح مصدره ومغزاه وما يغذيه من مؤسسات ومسلمات ثقافية وأساليب فكرية، واقتراح وسائل فكرية وتنظيمية جديدة لحسم هذا الصراع أو للتوفيق بين المتناقضات الثقافية وسنعود لهذا بشيء من التفصيل.

والقول بأن العلاقة بين مشكلات الفلسفة ومشكلات الصراع الثقافي والتغير الاجتماعي علاقة وثيقة وأساسية في تصورنا للدور التاريخي والمستقبلي للتفكير الفلسفي لا يعنى أبدا أن هذه العلاقة كانت جلية واضحة في أذهان جميع أو معظم الفلاسفة، ولا يعنى بالتالي أن اكتشافها في كتابات الفلاسفة أمر سهل يسير على كل قارئ في الفلسفة أو دارس لها. ذلك لأن هناك أسباباً عديدة تساعد على طمس هذه العلاقة، منها مثلا لغة الفلاسفة. فهي على درجة عالية من التخصص وتحوى ألفاظاً وعبارات ومفاهيم غير مطروقة في غير المجال الفلسفي مما يجعل المشكلة التي تناقش تبدو منفصلة كل الانفصال عن الاتجاهات والمشكلات الأساسية في الحياة الاجتماعية.

ومعظم الفلاسفة يبدؤون دراستهم في كتب من سبقوهم ويرثون عنهم مفاهيمهم وتصوراتهم ومقولاتهم التي تنتمى إلى عصور سابقة ثم يستخدمون هذا الإرث في مناقشتهم الفلسفية لمشكلاتهم وقد يزيد هذا في حجب العلاقة بين المشكلة الفلسفية والمشكلة الثقافية. وهناك أيضا يمكن أن نسميه بالثبات الشكلي للمسائل الفلسفية. فمن الواضح أن هناك مشكلات عامة تنشأ في كل أنواع الحياة الجماعية كمشكلة العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الخاص والعام، – بين الحرية والسلطة – فالصراع بين هذه ((الأضداد)) يظهر بطريقة أو أخرى وبشكل أو آخر في كل ثقافة معقدة متغيرة متطورة؛ وطالما توفرت للتفكير الحرية والمرونة فإنه يصوغ هذا الصراع، وغيره من سائر ألوان الصراع، في صور فكرية تتسم بالتجريد والتعميم والإطلاق أحياناً كصورة العلاقة بين العام والخاص.

وكثيرا ما يبدو لنا أن لهذه الصور الفكرية تاريخا جدليا مستقلا يرتفع بها عن الأحداث الاجتماعية وعن الصراع الاجتماعي القائم فعلا. وبعبارة أخرى إن هذا الاستمرار والثبات الشكلي فى صياغة المشكلة قد يحملنا إلى الاعتقاد بأن المشكلة لا علاقة لها بالاعتبارات الثقافية وأن التفكير فيها يسمو عن اعتبارات الزمان والمكان ولكن واقع الأمر هو أن حالة المجتمع وظروفه وطابع صراعاته واتجاهاته وتياراته ومستواه المعرفي هي العوامل المتغيرة التي تشكل دائما صورة هذه العلاقة ومفهومها ومحتواها وطريقة معالجتها. وتوقفنا دراستنا لتاريخ الفكر الفلسفي على أن هذه المشكلة (مشكلة العلاقة بين العام والخاص) وأمثالها قد تناولها التفكير الفلسفي عبر العصور بأساليب مختلفة وأسبغ عليها معان مختلفة؛ ولا يمكنا أن نفسر هذا الاختلاف إلا على أساس اختلاف الظروف الثقافية والسياسية والاقتصادية والعلمية وتغير موازين القوى وأشكال الصراع …

نعود فنقول إنه رغم ما قد تأخذه مثل هذه المشكلة من معالجة مجردة عامة، إلا أن هذه المعالجة تعبر في التحليل الأخير عن صراع بين اتجاهات اجتماعية مختلفة، اتجاه يطابق مثلا بين الفردية وبين النمو والتقدم واتجاه يطابق بينها وبين الفوضى واضطراب ((النظام)) ، وكلا الاتجاهين يمثل قيما اجتماعية ومصالح اقتصادية واتجاهات فكرية متباينة متصارعة. وقد يتغير الموقف الاجتماعي وتتعدل صورة الصراع فيه أو تتعدل النظرة إلى الفرد أو إلى السلطة أو إليهما معاً فيوضع الصراع في إطار جديد ويحدث اتزان معقول بين الضدين وتنحسر المشكلة وراء الستار مفسحة المجال لألوان أخرى من الصراع الاجتماعي تتطلب بدورها تحديداً وتحليلا فكرياً مناسباً.

قد يعجبك ايضا