محمد حسن محيي الدين.. الحارس الأمين لذاكرة الأدب والناطق بحكمة الشعر

محمد علي محيي الدين

حين تُفتِّش في تضاريس الحياة الثقافية العراقية، ستجد رجالًا لم يطلبوا الأضواء لكنهم كانوا شموعًا في دهاليز المعرفة، من هؤلاء كان الدكتور محمد حسن محيي الدين، ابن قضاء القاسم، الذي وُلد عام 1949 في قصبته القديمة، كما يُولد الزهر في حافات النهر، متواضعًا لكنه مغموسٌ ببهاء التكوين.

نشأ في بيئة علمية وروحية تمتد جذورها إلى الحوزة العلمية وإلى الأُسر التي كانت تقتات من الكتاب وتتنفس من هواء الحكمة، فتفتّح ذهنه منذ الصغر، وتدرّج في دراسته حتى نال الشهادة الإعدادية، ثم التحق بمعهد المعلمين في بغداد، وتخرج فيه عام 1970. عاد بعدها إلى الميدان التربوي، معلّمًا في المدارس العراقية، لكنه لم يكتفِ بأن يُلقِّن الأبجدية، بل راح يبحث في المعنى العميق للكلمة، وما تختزنه من هوية ووعي.

في منتصف السبعينات، حمل روحه إلى مدينة النجف الأشرف، والتحق بكلية الفقه، فنهل من معينها، وارتوى من منابعها، وتخرج فيها عام 1976. وما أن انتهى من دراسته حتى انتقل إلى التعليم الثانوي، ليصبح بعد سنوات من الجهد مشرفًا اختصاصيًا لمادة التربية الإسلامية، ثم مفتشًا تربويًا بعد سقوط النظام عام 2003، مستمرًا في أداء رسالته التربوية التي ظلّت تشكّل أحد محاوره الأساسية.

لم يكن محمد حسن محيي الدين باحثًا تقليديًا، بل كان مُنقّبًا في التاريخ المسكوت عنه، وقارئًا حاذقًا لنصوص الأدب والتفسير والتراث. في جامعة الكوفة، حيث نال الماجستير برسالته عن الشاعر الشيخ عبد الحسين محيي الدين (1271هـ)، ظهر كمن يعيد الاعتبار لصوتٍ كاد يُنسى، جامعًا شعره، محقّقًا سيرته، مستخرجًا من بين سطورها روح ذلك العصر. وفي رسالته للدكتوراه التي حملت عنوان: المعارك الأدبية في العراق في القرون الثلاثة الأخيرة (1700–2000م)، كشف عن صراع التيارات الفكرية عبر بوابة الأدب، موثقًا لأحداث طواها الإهمال، رابطًا بين التجاذب الثقافي والتحولات الاجتماعية والسياسية التي عصفت بالبلاد.

بلغت مؤلفاته العشرات، موزعة على أبواب متعددة: القرآن الكريم، الأدب، الشعر، النقد، التفسير، السير، والمذكرات. في كتابه “الوجيز في علوم القرآن الكريم” أسّس لنص تربوي رصين، يقدم علوم القرآن بروح معاصرة موجهة للطلبة، بينما أهدى للذائقة الأدبية كتبًا مثل “معجم شعراء العربية في العراق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر”، وقد أراد من خلاله إنصاف شعراء الظل، وسد ثغرة فادحة في المكتبة الأدبية.

أما في كتابه “المعارك الأدبية”، فقد سلّط الضوء على شخصيات ومواقف وأطياف فكرية، تنابذت بالشعر والنثر، لا من باب الهجاء، بل من باب الانتصار للهوية والانحياز للثقافة الوطنية، فكانت دراسته بمثابة مرآة ثقافية صافية، يرى فيها القارئ صورة العراق الفكرية خلال ثلاثمئة سنة من التفاعلات الحادة.

ولعل أبرز إسهاماته في ميدان التحقيق تمثلت في نشره لعدد من الدواوين المنسية، مثل “ديوان الشيخ موسى محيي الدين” و”ديوان الدكتور عبد الرزاق محيي الدين”، الذي قدم له شرحًا دقيقًا يعكس عمق قراءته ورهافة حسّه الشعري. وأفرد دراسة كاملة لقصيدة “الزط” غير المنشورة، كاشفًا عن بُعد ثقافي خفي في النص الشعري العراقي الحديث.

أما شعره، فهو مرآة لروحه المتأملة، الهادئة، الموجوعة. في قصيدة “سقوط الصنم”، نراه شاهِدًا على مرحلة الانهيار السياسي والأخلاقي بعد 2003، يصرخ ولكن بلا ضجيج، يكتب بنبرة الرائي لا الراوي. وفي “حالنا اليوم”، يرسم مأساة العراق بريشة الشاعر الذي يرى وطنه كالسفينة تسير بغير بوصلة، لكنها لا تغرق، بل تقاوم.

وقد تميّز شعره بجزالة الأسلوب، واستحضار الرموز الدينية والحضارية، دون أن يسقط في المباشرة أو الاستعراض. قصائده تكشف عن ثقافة واسعة، وإحاطة بالموروثين العربي والإسلامي، وقدرة على التوليف بين الحداثة والاتكاء على التراث.

النقاد الذين كتبوا عنه، أو تحدثوا عن نتاجه، أجمعوا على أنه رجل ظلّ على الهامش اختيارًا لا عجزًا، لم يكن يطلب المجد، بل كان صانعًا له. كتب عنه أحد أساتذة النقد أنه: “يؤمن بأن النص الجيد لا يحتاج إلى منبر، بل يكفي أن يُكتب بنقاء”، بينما وصفه آخر بـ “المؤرّخ الذي أنقذ الأدب العراقي من النسيان، وأعاد الروح إلى شعراءٍ طواهم الزمن”. وقد أشار بعض أساتذة الجامعات العراقية إلى أن مؤلفاته تصلح مراجع رصينة لأطاريح علمية متقدمة، خصوصًا في مجالات التاريخ الأدبي، والموسوعات التوثيقية، والدراسات النقدية التحليلية.

بعد رحيله، حمل شقيقه الرسالة نفسها، فأصدروا كتبه غير المنشورة، من بينها: “الأعمال الشعرية الكاملة” بأربعة أجزاء، و”مؤمنون حول إمامهم”، و”شخصيات خالدة”، إلى جانب دراسات وتحقيقات لم تزل ترى النور تباعًا. وكأنّ الدكتور محمد حسن، بعد موته، كتب الفصل الأجمل من حياته.

في زماننا الذي تسوده الضوضاء ويبهت فيه صوت العقل، كان محمد حسن محيي الدين استثناءً نبيلاً. عاش تلميذًا دائمًا في محراب المعرفة، وترك لنا من إرثه ما يكفي لنستنير، لا لنكتفي. هو الشاعرُ الذي لم تغرِه المجالس، والباحثُ الذي لم تغوهِ المناصب، بل ظل يكتب لأن في الكتابة خلاصًا… ويقرأ لأن في القراءة حياة.

رحل، ولكن صوته لم يغب، فهو موجود في كل بيت عراقي فتح كتابًا له، في كل طالب علم قرأ بحثًا من بحوثه، وفي كل عاشقٍ للشعر، ما زال يردّد شعره.

قد يعجبك ايضا