حكاية لقاء

إبراهيم خليل إبراهيم

بعد تخرج عبد الحليم في المعهد العالي للموسيقى المسرحية عام 1948 بتفوق كان ينتظر سفره لإيطاليا لاستكمال دراسته لكن البعثة التي كان من المفروض أن يسافر فيها تم إلغاؤها وبدلا من سفره لإيطاليا فوجئ بتعيينه في ثلاث مدارس للبنات دفعة واحدة يومان في طنطا ويومان في المحلة ويومان في سمنود وبعد مرور عدة أشهر لم يستطع مواصلة مشوار التدريس حيث كان يتأخر كثيرا على المدارس التي يعمل بها بسبب سفره اليومي من القاهرة إلى المدارس لكنه كان في حاجة إلى الراتب الذي يحصل عليه وأكمل العام الدراسي على مضض لكنه طلب من بعض الأصدقاء التدخل لنقله لمدرسة في القاهرة لكن ظهرت حركة التنقلات ووجد اسمه مدرسا في مدرسة البنات بالزقازيق فقرر العيش في الزقازيق لعدم قدرته على السفر يوميا وشجعه على ذلك أن الزقازيق فيها كثير من أقاربه وزملائه القدامى.

ونظرا لتعلقه بالوسط الفني وزملائه لم يستطع العيش كثيرا في الزقازيق فانتقل إلى مدرسة في القاهرة وفي أحد الأيام كان يزور صديقه كمال الطويل في الإذاعة فعرض عليه الطويل بحماس شديد العمل في أوركسترا الإذاعة الجديد كعازف على آلة الأبوا ففرح عبد الحليم من السعادة وقدم استقالته من التدريس والتحق بأوركسترا الإذاعة وكان يدندن طول الوقت ببعض أغنيات محمد عبد الوهاب وأم كلثوم.

في أحد الأيام وأثناء استعداده للعزف مع الفرقة الموسيقية المصاحبة للمطرب كارم محمود لغناء أغنيته الجديدة يا سلام تأليف المخرج حسن الإمام وألحان عبد الحميد توفيق زكي وقبل إذاعة اللحن على الهواء بعشر دقائق اعتذر كارم لظروف طارئة جعلته لا يستطيع الوصول في موعده وكان عبد الحليم يحفظ اللحن عن ظهر قلب وحتى ينقذ الملحن عبد الحميد توفيق زكي الموقف طلب من عبد الحليم الذي كان معجبا بصوته أن يترك آلة الأبوا ويغني اللحن الجديد الذي يقول مطلعه:

ياللي حبك في فؤادي
شيء مالوش أبدا مثيل
أنت روحي بس لو قلبك يميل
يا سلام.. يا سلام.

نجح عبد الحليم في أداء اللحن ولم يغضب المسئولين في الإذاعة خاصة حافظ عبد الوهاب مراقب الموسيقى والغناء لاستبدال المطرب بعازف الأبوا الذي لم تعتمده لجنة الاستماع بل تحمس له وفي أثناء ذلك كانت الإذاعية ثريا نجم تستمع إلى المطرب الجديد أثناء غنائه يا سلام وأعجبت بصوته وطلبت من عبد الحميد توفيق زكي أن يعطيه لحنه الجديد بدلتي الزرقا الذي كان من المقرر أن يغنيه محمد رشدي وبالفعل غنى عبد الحليم بدلتي الزرقا لتكون هذه الأغنية أول مختارات إذاعية له.

بحكم الصداقة التي تربط عبد الحليم بالملحن كمال الطويل كان يحفظ كل ما يلحنه وفي أحد الأيام قرأ الموسيقار كمال الطويل قصيدة لقاء للشاعر صلاح عبد الصبور فأعجبته وبالتالي أعطاها للإذاعي حافظ عبد الوهاب وقال له: ما رأيك؟ وبعد أن طالعها قال: جميلة ٠٠ فقال كمال الطويل: خلاص أشر عليها لنقدمها في الإذاعة فقال الإذاعي حافظ عبد الوهاب: أنت يا كمال دارس موسيقى فلحنها ٠٠ وبالفعل لحنها لتغنيها المطربة مديحة عبد الحليم ولأن القصيدة قام بتوزيعها فؤاد الظاهري وفشلت المطربة الشابة في غنائها وحاول كمال الطويل مع المطربة أكثر من مرة لكنه فشل وهنا اقترح عبد الحليم غناء القصيدة على أن يغنيها بعد ذلك مطرب معروف ومعتمد في الإذاعة وفوجئ كمال الطويل أن صديقه عبد الحليم عازف الأبوا يغني القصيدة الموزعة بطريقة جيدة فقال له : أسمع يا عبد الحليم أنت عندك استعداد رائع للغناء ولازم تتجه للغناء وكتب كمال الطويل طلبا لاعتماد عبد الحليم حافظ في الإذاعة كمطرب وتقدم عبد الحليم لكنه اللجنة اعترضت على طريقة أدائه خاصة مصطفى رضا مدير معهد الموسيقى العربية الذي طلب منه الابتعاد عن غناء الخواجات وأن يقدم غناء شرقيا خالصا كذلك نقيب الموسيقيين في ذلك الوقت عبد الحميد عبد الرحمن ولكن عبد الحليم لم ييأس وكذلك الأمر لكمال الطويل الذي وجد حماس حافظ عبد الوهاب لغناء عبد الحليم .

بعد أن رفضت اللجنة اعتماد عبد الحليم مطربا في الإذاعة‏ خرج من الإذاعة في طريقه إلى البيت وأثناء سيره في الشارع كان حزينا وشارد الذهن ولم ينتبه إلا على صوت سيارة مسرعة كادت أن تدهم رجلا‌‏ فأسرع وأنقذ الرجل من أمام السيارة‌‏ واكتشف عبد الحليم أن الرجل الذي امتدت له يده لشده بعيدا عن السيارة المسرعة هو مصطفى رضا رئيس لجنة الاستماع التي رفضته منذ قليل‏ وقال مصطفي رضا:

أشكرك يا ابني‏ أنقذتني رغم أننا رفضنا أن نقيدك مطربا في الإذاعة‏ فضحك عبد الحليم وقال‏:‏ أنا جريت أنقذ سيادتك‏ لأني خفت أن يتطور الغناء‏ فضحك مصطفى رضا وهو يكرر نصائحه لعبد الحليم أن يغني غناء شرقيا لا غناء الخواجات‏.‏

تقدم عبد الحليم مرة أخرى إلى لجنة الاستماع المكونة من محمد عبد الوهاب وأم كلثوم ومحمد القصبجي ورياض السنباطي وحافظ عبد الوهاب وأثنى الجميع على موهبة وإحساس عبد الحليم حيث قالت أم كلثوم: الله‏.. وقال محمد عبد الوهاب: أعد‏ … وقال محمد القصبجي: مبروك‏. .. وقال رياض السنباطي: أنت مكسب للغناء‏.‏

غمرت السعادة عبد الحليم وكان لابد أن يغير اسمه نظرا لوجود شقيقه المطرب إسماعيل شبانة ووفاء منه وتقديرا لمساعدات الإذاعي حافظ عبد الوهاب غير اسمه إلى عبد الحليم حافظ وبدأ مشواره مع الغناء وكانت قصيدة لقاء كلمات صلاح عبد الصبور أول قصيدة يغنيها بعد اعتماده في الإذاعة وهذه القصيدة كانت مكونة من 18 بيتا واختار منها الموسيقار كمال الطويل 8 أبيات ولحنها وغناها عبد الحليم حافظ وهذه كانت القصيدة الوحيدة التي غناها عبد الحليم حافظ لبلدياته الشاعر صلاح عبد الصبور ونذكر منها:

بعد عامين التقينا هاهنا
والدجى يغمر وجه المورد
وشربنا النور يخبو حولنا
وسبحنا فى هلال الموكب

قد يعجبك ايضا