حديث الجن

د . صباح ايليا القس

ما يزال الناس يتحدثون عن أشباح وخيالات ومخاوف تتسلط على النفوس ، وأحيانا لا تكون في حالة الصحو بل تطوف هذه المسميات على عقول الناس فتعتريهم المخاوف والهواجس والخوف والخوف والقلق لا سيما اذا كان هناك حديث قبل النوم او قصص عن مخلوقات عجيبة غريبة تختلقها عقلية قصّاص يعرف كيف يدبر الامور .

يكون الخوف شديدا اذا خلت الاماكن من البشر كالصحراء والاماكن البعيدة لاسيما اذا اشتد الليل حيث الوحشة والسكون من هناك تبدأ الوساوس والقلق واختراع الاشكال والمسميات الغري

بة .

كانت المجالس في الجزيرة العربية تتداول مثل هذه القصص والاحداث والمغامرات وكانت النساء والاطفال يستمعون ويصغون الى مثل هذه الاحاديث لما فيها من عجائب وغرائب لاسيما علاقة هذه المخلوقات مع الانسان على الرغم من أن العقلاء والشجعان يعرفون انها خيالات وأوهام لكنهم يتداولونها على انها وسيلة من وسائل قضاء الوقت لا سيما في ليالي الشتاء الطويلة .. ومما يؤيد كلامنا قول الشاعر :

حياة ثم موت ثم نشـــــــــــــــــرُ        حديث خرافة يا أُم عمــــــــــــــــــــــــــــــــر

ومعنى هذا ان العرب القدماء كانوا يعرفون ان هذه الخوارق من قبيل الخرافة التي ليس لها من الحقيقة شيء ..

لكن القدماء تداولوا مثل هذه الحكايات والاساطير واكثرها كانت على سبيل التنبيه والحذر والوعظ .. وعلى الاغلب فان هذه المعطيات لا بد ان يكون لها جذر تاريخي غاب عن التدوين وضاعت حقيقة الامر وأصبحت من معطيات التراث .

كان الشعراء الجاهليون يعتقدون ان هناك شياطين تلهم الشعراء قول الشعر لانهم يتميزون عن غيرهم بما يبدعونه من جمال الشعر ، تلك الموهبة التي لها قدرة القول التي لا يستيطعها اغلب الناس .

ومن الجدير بالذكر ان قول الشعر طاقة وقابلية ابداعية لا يستطيعها إلا من عرف هذه الموهبة من دون معرفة امتياز هذا عن ذاك ..

كان الاعتقاد ان مع كل شاعر شيطان يلقنه القول واعتقدوا ان وادي عبقر هو مصدر الجن والشيطان الذي يسيطرون على الشعر حتى ان بعضهم تباهى على غيره بان شيطانه ذكر وشيطان غيره انثى ومن هنا جاء التفاوت في الابداع حسب الاعتقاد السائد ..

قال الشاعر متباهيا بانه تزوج غولا :

وتزوجت في الشبية غولا      بغزال وصدقتي زق خمر

كان مهرها زق خمر .

وقال امرؤ القيس :

تخيّرني الجن اشعارها         فما شئت من شِعرهنّ اصطفيت

وقال عمرو بن كلثوم متباهيا في معلقته بان كلاب الجن بعد أن رأت قوة وشجاعة فرسان تغلب  هربت من ساحة المعركة .

وهناك من اطلق اسما على الجن الذي يلقنه وسماه مسحل في قوله :

دعوت خليلي مسحلا ودعوا له        جهنام جَدْعا للهجين المددمم

وقال مفاخرا بعطاء مسحل :

وما كنت شاردا ولكن حسبتني        اذا مسحل سدّى لي القول أنطقُ

شريكان فيما بيننا من هــــــــــــــــوادة       صفيّان جنّيٌ وأُنــــــــــــــــــس مُوفّـــــــــــــــــــــــقُ

قد يعجبك ايضا