عودة دجلة والفرات إلى الحياة مقابل الذهب الأسود

مهند الصالح

لا تزال محاضرة الجغرافية السياسية التي حضرتها أيام الدراسة الجامعية قبل أكثر من خمسة وثلاثين عاماً حاضرة في ذاكرتي، حين قال الأستاذ الفاضل الدكتور خلف الداهري إن حرب المياه قادمة لا محالة، وإنه في حال وقوعها أو حتى في حال التوصل إلى اتفاق لتجنبها، فإن المعادلة ستكون (النفط مقابل الماء)، أي أن نعطي برميل النفط مقابل حصولنا على تدفق المياه وضمان استمرارها نحو أراضينا.

اليوم، وبعد مرور عقود على تلك النبوءة الأكاديمية، نجد أن ما كان يُقال وقتها أصبح واقعاً معاشاً. فشح مياه دجلة والفرات لم يعد مجرد تحذير نظري، بل أزمة خانقة تهدد الأمن المائي والزراعي للعراق. ومع ذلك، يبدو أن الوعي الرسمي بخطورة هذه المسألة ظل قاصراً أو متأخراً عن مواكبة حجم التحدي.

في تطور لافت، كشفت مصادر دبلوماسية تركية عن ملامح اتفاق جديد بين بغداد وأنقرة يتناول إدارة الموارد المائية العراقية. ووفقاً لما تسرب من تفاصيل، فإن الاتفاق يقضي بأن تتولى الشركات التركية إدارة وتحديث وتشيد البنى التحتية لقطاع المياه في العراق لمدة خمس سنوات، مع اعتماد آلية تمويل تقوم على مبدأ النفط مقابل المياه.

بموجب الاتفاق، تتحمل تركيا إدارة الملف المائي العراقي بالكامل، بما يشمل وضع الخطط وتنظيم الإرواء وإدارة الموارد المائية بشكل شامل، إضافة إلى إطلاق مليار متر مكعب من المياه فوراً من دون الإضرار بخزينها المائي الداخلي. وفي المقابل، يقدم العراق من عائدات مبيعاته النفطية ما يعوض الجانب التركي عن كلفة إدارة وتشغيل المشاريع، فضلاً عن رفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى نحو ثلاثين مليار دولار سنوياً.

تهدف هذه الخطوة، وفق ما تعلنه الأطراف المعنية، إلى مواجهة أزمة شح المياه عبر مشاريع مشتركة وضمان استخدام الموارد المائية بشكل مستدام وفعّال. كما تأتي في إطار متابعة ما تم الاتفاق عليه خلال زيارة الرئيس التركي إلى بغداد العام الماضي، والتي وضعت ملف المياه في صدارة أولويات التعاون بين البلدين.

ورغم ما تحمله الاتفاقية من وعود بحلول فنية وتنظيمية، إلا أن جوهرها يعيد إلى الأذهان مقولة الدكتور الداهري القديمة: النفط مقابل الماء. فها هو العراق، بلد الرافدين الذي طالما تغنى بوفرة مياهه، يجد نفسه اليوم مضطراً لمقايضة ثروته النفطية بأبسط مقومات الحياة.

إن عودة دجلة إلى الحياة باتت اليوم مرهونة بالذهب الأسود، في معادلة تعكس عمق التحولات الجيوسياسية في المنطقة، وتؤكد أن من يملك الماء يملك القرار والمستقبل

قد يعجبك ايضا