برلين-التآخي
احتضنت المكتبةُ العالميةُ في مدينة إيسن الألمانية الجمعة 31 تشرين الاول 2025 أمسيةً شعريةً خُصّصت للشاعر السوري الكوردي إبراهيم اليوسف، بعد انقطاعٍ دام أكثر من خمسة عشر عاماً عن الأمسيات الشعرية الخاصة.. جاءت الأمسيةُ استعادةً لدفءِ اللقاء الثقافي في المدينة، ولتؤكد استمرار حضور الأدب السوري والكوردي في الفضاء الألماني كصوتٍ إنسانيٍّ حيٍّ يتجاوز المنفى والحدود.
قرأ اليوسف نماذجَ من قصائده الجديدة التي كتبها في السنوات الأخيرة، تنوّعت بين التفعيلة والنصّ النثري، واستعاد من خلالها ذاكرته الشعرية واشتغاله الطويل على اللغة ككائنٍ وجوديٍّ لا أداةٍ فنيةٍ فحسب. تحدّث كذلك عن تجربته في الكتابة السردية، موضحاً أنّ التوجّه إلى الرواية لم يكن خروجاً من الشعر، بل عبوراً آخر إلى القول، حيث يتّسع السرد لمساحاتٍ لا تحتملها القصيدة. كما أشار إلى عمله في مجالات المقال والنقد والقصة، وإلى تلاقي هذه الأشكال في رؤيته للكتابة بوصفها فعلاً للحرية وموقفاً من الإنسان، مستشهداً بجوانب من تجربته الطويلة في مجال حقوق الإنسان التي رافقت مسيرته الأدبية.
افتُتحت الأمسية بكلمةٍ للأديب فؤاد الشوفاني الذي قدّم الشاعر بإضاءةٍ مقتضبةٍ على مساره المتعدد، ليتحدث بعده الناقد صبري رسول عن خصوصية مشروعه الشعري، وعن العلاقة الوثيقة بين المدينة والقصيدة في تجربته، مبرزاً كيف تحوّلت قامشلو في نصوص اليوسف إلى رمزٍ للمكان الأول الذي لا يغادر الذاكرة.
وقدم الكاتب صديق شرنخي وهومن أساتذة الشاعر إبراهيم اليوسف أثناء الثانوية بانوراما عن تجربته اذ اهتم بالمسرح. بالسياسة. بالقصة والشعر. كما قدمت الشاعرة يسرى زبير مداخلة استغربت فيها كيف يستطيع الشاعر إبراهيم اليوسف الكتابة في كل هذه المجالات من الشعر والنثر بالإضافة إلى اهتمامه بحقوق الإنسان وكتابة المقال السياسي والعمل في مجال الاتحاد العام للكتاب والصحفيين.

قدّم الشاعر منير خلف شهادةً مطوّلةً عن اليوسف، تناول فيها دوره في احتضان المواهب الشابة منذ ثمانينات القرن الماضي، مشيراً إلى أنّه ظلّ مؤمناً بضرورة رعاية الأجيال الجديدة وإفساح المجال أمامها في المشهد الثقافي. فيما قدّم الناقد نصر محمد مداخلةً عن المحطات الأساسية في حياة اليوسف الشعرية، من مجموعاته الأولى إلى آخر أعماله، مبيّناً التحوّلات اللغوية والفكرية التي رافقت مسيرته، وقدرته على الجمع بين الإبداع والالتزام الفكري من دون أن يختزل أحدهما بالآخر.
وشارك في النقاش عددٌ من الأدباء والمثقفين، من بينهم الدكتورة نجاة عبدالصمد، مروان مصطفى، عدنان بشير، شكري داود، وهفال عيسى، حيث تناولت جوانب وأسئلة متعددة منها مداخلاتهم علاقة الشاعر بالمنفى، وبحثه الدائم عن معنى الانتماء في فضاءٍ مهدّدٍ بالانطفاء، إضافةً إلى لغته التي تنوس بين البساطة والتكثيف، وتستبطن حسّاً إنسانياً ظلّ ملازماً له منذ بداياته.
كما أشار السيد سراج عثمان إلى أن الكتابة في مجال واحد يكون أفضل للمبدع ولو أن اليوسف كتب الشعر واختص به لكان أفضل.
تميّز اللقاء بحضورٍ لافتٍ من الشعراء والنقّاد والكتّاب والإعلاميين، وبتفاعلٍ كبيرٍ من جمهور الشعر الذي تابع القراءات والنقاشات حتى اللحظة الأخيرة. وفي ختام الأمسية تم التقاط صور جماعيةٌ مع الشاعر، في مشهدٍ أعاد إلى الذاكرة حميمية التفاعل الثقافي بين القصيدة وجمهورها
تجربةُ المكتبات العالمية في إيسن تُعدّ من المبادرات الأولى في ولاية نورد راين فستفالن التي كرّست مفهوم التعدد الثقافي واحتضان اللغات المختلفة في فضاءٍ واحد. وقد جاءت هذه الأمسية لتجدد روح تلك المبادرة، ولتمنح المنفى معنى آخر، حيث يتجاور الشعر العربي والكوردي والسوري مع المشهد الثقافي الألماني في تآلفٍ يعيد إلى الأدب وظيفته الأولى: الإصغاء للإنسان في تعدده وحقه في أن يقول.