د . صباح ايليا القس
ملك الحيرة النعمان بن المنذر كان له صديقان من بني أسد هما خالد بن مسعود وخالد بن المضلل .. وكانوا يسهرون مع بعض ويجري بينهم مما يكون بين الاصدقاء من احاديث فتخرج احيانا عن حدود الملاطفة او احترام المواقع لا سيما اذا كانت الجلسة تشتمل على الخمور التي تعطي المتحدث حريّة وتجاوز ات قد لا يسمح لنفسه بها عند الصحو . وهكذا كان اذ أغضب هذان الجليسان الصديقان صديقهما النعمان بن المنذر في بعض الحوارات وقد عملت الخمر في رأسه عملها فأمر أن يحفر لكل واحد منهما حفيرة ثم يوضعان في تابوتين ويدفنان في الحفرتين أحياء ففعل الخدم ما أراد الملك فاذا أصبح الصباح وأدرك خبرهما وما فعله بالصديقين ندم على ذلك ندما شديدا ..
عاد الملك الى صوابه وأمر ببناء الغريِّين ( القبرين ) يستذكر بهما صاحبيه وجعل لنفسه يومين في السنة يجلس فيها عند القبرين وسمّى اليوم الاول النعيم وفيه يكرم اول من يطلع عليه ويقابله مئة من الابل اما من يطلع عليه في يوم بؤسه فيأمر بذبحه ..
وصار أن خرج يوما الى الصيد فطار به فرسه بعيدا عن أصحابه ومرافقيه ، واذا السماء تمطر وهو بعيد في بيداء خالية من السكان وشاءت الظروف أن يجد مكانا يدل على فقر أصحابه لكنه لا بد من الوقوف عنده والتستر من الاهوال لا سيما وقد ادركه الليل فوجد رجلا من قبيلة طي ومعه امرأة يدل مظهرهما على الفاقة والبؤس فطلب المآوى عندهما فأنزلاه وهما لا يعرفانه ولكن مظهره وزينة فرسه يدلان على انه من أكابر القوم .. فذبح الرجل شاة كانت مصدر غذائه وأطعمه من لحمها وبات عنده وفي الصباح تجهز للرحيل وقبل المغادرة قال لصاحب المكان انا النعمان بن المنذر ملك الحيرة ولك ثوابك عندنا ..
ويوما قالت له زوجته .. اطلب ثوابك من الملك .. ففعل ووصل الى الحيرة وشاءت الاقدار ان يكون ذلك اليوم يوم بؤس فعزم على قتله لكن حنظلة طلب من الملك مهلة لمدة سنة لكي يسير الى أهله ويدبر امره ثم يعود الى الملك لينفذ حكمه فوافق الملك على أن يكون هناك كفيل فقام رجل اسمه شريك فكفله وقال :
يا شريك يا ابن عَمْر ما من الموت محاله
يا شريك يا ابن عَمْر يا أخا من لا أخا لـــــــــــــه
وعندما حال الحول عزم النعمان على قتل شريك في الصباح لكن الوزراء قالوا له : ليس لك أن تقتله قبل انتهاء النهار فقال شريك :
فان يك صدر هذا اليوم ولّى فانّ غدا لناضره قريب
وهذا القول ما نزال نتداوله .
وقبل المغيب وقف شريك وقد لبس إزارا خفيفا وقد استقر عند مكان الاعدام والقتل والسياف قد جرّد سيفه ولم يبق من الوقت إلا اشارة الملك ليتم القتل .
وقبل حلول الظلام ظهر راكب من بعيد يسعى باجتهاد على ظهر بعيره فوقف الناس يحمون شريك حتى يصل الشخص الذي يلوح في الافق ..
فلما نظر اليه النعمان عرفه ولامه وعاتبه وقال له ما الذي دعاك الى الوفاء : قال : ديني وأنشد :
ما كنت أخلفُ ظنّه بعد الذي أسدى اليّ من الفعال الخالي
وقد دعتني للخلاف ضلالتي فأبيتُ غيــــــــــر تمجّدي وفعـــالي
إني امرؤ مني الوفاءُ سجيــــــــــةٌ وجزاء كلِّ مكــارمٍ بــــذّالِ