ماهين شيخاني
قصة مستوحاة من واقع الأنفال ومأساة الحرية الكوردية
ليل ثقيل يهبط على السجن كما تهبط الغيمة الأخيرة على قريةٍ جافة. الريح تمرّ من نافذةٍ صغيرة تحمل رماد البيوت التي أحرقت في الأنفال، والذكريات التي لم تعد تجد من يسمعها.
في الزنزانة الضيقة، يجلس شاب كوردي نحيل، لا يتجاوز العشرين، يحمل في يده قطعة فحمٍ صغيرة. ينحني نحو الجدار ويكتب بخطٍ مرتجفٍ كقلب أمٍّ تنتظر:
((سأموت، لكن كوردستان لن تموت… غدًا صباحًا موعدي مع حبل المشنقة، يا أمي)).
يسند رأسه إلى الجدار، كأنّه يسنده إلى كتف أمّه. تدمع عيناه، لكن شفتيه تبتسمان بهدوءٍ عجيب. يهمس:
– لا تبكي غداً يا أمي، قولي فقط: “ابني صعد إلى الجبل، ولم يسقط.”
يدخل السجّان، وجهه غليظ، يحمل طبقاً من العدس البارد. ينظر إليه ببرود:
– أتكتب وصيتك..؟.
يردّ الشاب بثقةٍ ثابتة:
– بل أكتب حياةً جديدة لكوردستان.
يسخر السجّان:
– غداً ستُشنق، وتنتهي قصتك.
يجيبه الشاب وهو ينظر إلى الحائط:
– أنا أنتهي، لكن القصة تبدأ بعدي.
في الليلة الأخيرة، يرى في حلمه جبال بارزان مكللة بالثلج. أمّه هناك، تلوّح له بكوفيّته، وتقول:
– يا بني، لا تخف من الموت.
فيبتسم ويردّها بحبٍّ عميق:
– الموت طريق العودة إلى الوطن، يا أمي…
يأتي الفجر. الساحة مبلّلة بالندى، والجنود مصطفّون في صمتٍ ثقيل. يقف الشاب شامخاً، ووجهه يلمع تحت ضوء الشمس. يسأله الضابط ببرودٍ:
– كلمتك الأخيرة..؟.
يرفع رأسه بفخرٍ ويقول:
– كوردستان ستعيش… ولو على قبري.
يسحبون الكرسيّ، ويسكت كلّ شيء. لكن الريح لا تسكت، تردّد صدى صوته في الجبال، تكتبه على وجه الأرض:
“سأموت، لكن كوردستان لن تموت.”
سنوات تمضي.. يدخل الرئيس مسعود بارزاني المكان ذاته بعد سقوط النظام. يمشي بخطواتٍ بطيئة نحو الجدار العتيق، يلمس آثار الفحم الباهتة التي كتبت ذات يوم الحلم الأكبر.
يقرأها بصوتٍ متهدّج:
“سأموت، لكن كوردستان لن تموت…”
يصمت طويلاً، ثم يقول وهو يرفع رأسه نحو الجبل:
“لقد صدقت يا بني… وها هي كوردستان حيّة بدمك، ودم أمثالك من الپيشمرگه الأبطال.”
يغادر البارزاني، ويبقى الجدار شاهداً على الوعد الذي صار وطناً. وفي الريح، ما زال الصوت القديم يهمس:
“لا تموت الأوطان… إن كان فيها من يموت من أجلها.”