المنازعات بين الدويلات السومرية المتعاصرة

د. نزار الربيعي

ان أهم مصادر عن تاريخ الدويلات السومرية في العصر القديم هو أثبات العلوم السومرية الذي دون في الأغلب عند بداية العصر البابلي القديم حيث ورد فيه ذكر للسلالات ودويلات المدن التي قامت قبل الطوفان اذ حكم فيها عدد قليل جدا من ملوك في خمس مدن سومرية كانت أولى مدينة اريدو (أبو شهرين حاليا) ثم حدث الطوفان عندما قررت الإلهة هلاك البشر واسر الإله انكي وما يميز هذه الفترة ان الأرقام التي سجلت لسنوات حكم الملوك كانت مستحيلة ومبالغ فيها لان السومريون قد قدروا الأزمان الأولى من حكم أسلافهم فلجئوا إلى الحدس لذلك قاموا بإعطاء أرقاما خيالية لتلك السلالات .

تذكر الإثبات السومرية ان الملوكية هبطت من السماء وحلت في مدينة كيش وكان أول ملوكها هو الملك (ايتانا) الذي نصت وثيقة على بسط نفوذه وسلطته على هذه المدينة بأمر من الإلهة ثم انتقل الحكم الى مدينة الوركاء بدليل أثبات الملوك والتي حكم فيها 12 ملكا كان أبرزهم الملك الخامس (كلكامش) صاحب قصة الخلود وقد بالغت القصص في ذكره وذكر شكله وقوته وقد اشتهر كذلك بأعماله اذ عمل كلكامش على بناء معبد خاص للآلهة (ننليل في مدينة نفر وغزا عيلام التي تقع شرق بلاد الرفدين وتغلل بعيدا في اراضيهم كرد على الاعتداء الذي قاموا به، كما جاءت شهرة كلكامش من خلال انتصار الدبلوماسي على ملك كيش (اجا) عندما انذر كلكامش بوجوب دفع الجزية فرفض كلكامش ذلك بتأيد من مجلس الشباب اذ كان هناك مجلسان للشورى في الوركاء وهما مجلس المسنين ومجلس الشباب اذ كان راي مجلس المسنين ان يقبل كلكامش دفع الجزية المفروضة عليه لكن مجلس الشباب رفض ذلك واشار بوجوب الحرب ضد ملك كيش فشن كلكامش حملة نهرية وبرية ضد الملك اجا واستطاع كلكامش بدبلوماسيته ان يجبر اجا على الرضوخ والاستسلام له وهذه اول اشاره الى ممارسة مدينة الوركاء النظام الديمقر اطي ولو بشكله البدائي .

وقد عاصر مدينة الوركاء العديد من دويلات المدن التي كانت تتعاصر مع بعضها وكان أبرز هذه المدن هي مدينة (لكش) ومدينة (اوما) اللتان كانتا على صراع دائم حول الاراضي الزراعية ومياه الري وقد اتسم هذا الصراع بالشدة والاستمرارية وقد جاء ذكر هذا النزاع في نص يعود الى ملك انتمينا حاكم لكش إذ يذكر فيه:

ان اول نزاع بين لكش اوما يعود الى زمن ابيه اياناتم الأول حول الاراضي الزراعية ولم يقف هذا النزاع الا بعد تدخل الملك ميسلم ملك كيش بينهما لتسوية النزاع وتثبيت الحدود إلا ان النزاع تجدد مرة اخرى من قبل ملك اوما (اوش او كُش) الذي ازال نصب ميسلم وغزا حقول لكش فشن اياناتم الحري على اوما وانتصر عليها ووضع شروط صلح جديدة وتضمن هذا الصلح يقوم حاكم اوما بحفر نهر جديد من الفرات ، كما شيد في الأراضي الجديد مزارات ومعابد صغيرة للإله ننكرسو حامي لكش وفرض الجزية على اوما وارجع الأراضي ومعها الأنصاب القديمة التي وضعها ميسلم وقد أقام اياناتم مسلة جديدة بجانبها عرفت بمسلة النسور التي خلد فيها انتصاره او مسلة العقبان لان النسور صورت في هذه المسلة وهي تنهش جثث القتلى من جيش اوما كما صور فيها الاله ننكرسو وهو يصطاد جنود العدو بشبكته وكذلك صورت المسلة الملك اياناتم وهو ركب كرته ويقاتل .

وقد حكم لكش العديد من الملوك ألا أنهم امتازوا بالضعف إلى ان انتقل الحكم عن طريق الانقلاب العسكري الى اوركاجينا الذي اشتهر بإصلاحاته اذ عمل على رفع الضرائب التي كانت مفروضة على الشعب وخاصة ضرائب الزواج والطلاق وقضى على المساوئ التي كانت تسود بين كهنة المعابد اللذين عرفوا بابتزازهم للأموال، كما اصدر العفو العام عن المسجونين بسبب الديون.

الا ان هذه الإصلاحات لم تدم طويلا فقد عليه حاكم مدينة اوما المسمى (لوكال زاكيزي) الذي عمل على بسط نفوذه على دويلات المدن المجاورة له فعمل على توطيد سلطانه في اور والوركاء وتخذ لقب ملك اوروك ثم استحدث لقبا اخر وهو ملك الأقاليم او (ملك البلاد) حتى وسع نفوذه الى الخليج العربي الذي كان يسمى البحر الأسفل.

وتذكر الأساطير أن الإله ننكرسو انزل لعنته على اوما فظهر ملك نازع لوكال زاكيزي على سلطت البلاد واستطاع القضاء عليه وتكوين سلالة جديدة عرفت بسلالة اكد التي عرفت وهو الملك سرجون الاكدي. وبهذا جاءت نهاية لوكال زاكيز وانتهت كذلك مرحلة السلالات الحاكمة أي تعتبر هذه الفترة نهاية عصر تاريخي وفاتحة عصر جديد في تاريخ حضارة بلاد الرافدين وذلك بانتقال السلطة من السومريين الى الساميين الاكديين وبداية عصر جديد عرف بفرض نظام دولة القطر الواحد او المملكة الموحدة.

قد يعجبك ايضا