منور ناهض الخياط.. قاصٌّ يكتب من شظايا الحياة وهذيان الواقع

محمد علي محيي الدين

ليس من السهل أن تختصر التجربة الإبداعية لمنور ناهض الخياط بكلمات معدودة، فهو كاتب تشكّلت رؤاه القصصية والمسرحية على نار التجربة الشخصية، ووهج المكان، وماء الذاكرة، فكان النص لديه تعبيرًا عن وجدان مكلوم، وصورةً عن عراق لا يهدأ له جرح.

ولد الخياط عام 1963 في مدينة الناصرية، لكنه سرعان ما حمل روحه معه إلى مدينة الحلة، حيث استقر مع أسرته، وهناك خط أولى حروفه في دفاتر الطفولة، وتشرّب من نهر الفرات ما يكفي من الحنين والقلق معًا. أنهى دراسته في كلية الفنون الجميلة بجامعة بابل عام 1987، لتبدأ رحلته مع التعليم أولاً، ثم مع النشاط المدرسي، الذي شكّل له معبرًا إلى فضاءات المسرح والكتابة الإبداعية.

منذ بداية تسعينيات القرن الماضي، تَقدّم اسمه في ساحة الفن والأدب المحلي، حين انتسب إلى نقابة الفنانين عام 1993، ثم عضويته في اتحاد أدباء وكتاب بابل عام 2005، والتي كرّست حضوره بوصفه كاتبًا متعدد الاشتغالات، جمع بين القصة والرواية والمسرح، وكأنما أراد أن يُعبّر عن توتر الواقع العراقي من خلال أوسع مدى إبداعي ممكن.

في فضاء القصة القصيرة:

تتبدّى قدرات الخياط القصصية في مجموعته “محطات من الزمن الصعب”، حيث يعمد إلى تقطيع الحياة العراقية إلى مشاهد نابضة، يعالج فيها لحظات الانكسار والخوف والحلم المستحيل، بلغة مشحونة بالتكثيف والرمز. رأى فيه بعض النقاد “قاصًا يكتب بتقنية تشبه مسرح الذهن، فهو يركّز على اللحظة المكثفة ويُحمّلها دلالات تتجاوز سطح النص”، بينما ذهب آخرون إلى أن قصصه “تحفر في الذاكرة الجمعية للجيل العراقي الذي عاش الحروب والحصارات والخيبات”.

المسرح: الشغف الذي لا يخبو

أما المسرح فهو رئة الخياط الأوسع. كتب العديد من النصوص المسرحية، وشارك بها في مهرجانات داخل بابل وخارجها، ليُعرف كمؤلف مسرحي يمتلك قدرة على دمج اليومي بالرمزي، والواقعي بالأسطوري. حاز على المرتبة الثانية في مسابقة نعوم فتح الله سنحار للتأليف المسرحي عن نصه نحن هنا، كما نال جوائز في مهرجانات النص الحسيني عن مسرحيتيه شيء من الهذيان وحدث ذات يوم.

وقد أشاد به بعض النقاد بوصفه “كاتبًا مسرحيًا ينهل من المعاناة العراقية اليومية، ليحوّلها إلى مشهد حيّ فيه قدر من المرارة والتأمل، وقدر من السخرية السوداء التي تلامس الوعي دون أن تنفصل عن العاطفة”. كما رأى فيه آخرون “صوتًا مسرحيًا ينتمي لمدرسة التعبير الرمزي الواقعي، لا يقع في المباشرة، ولا يهرب من الحقيقية العارية”.

الرواية: كتابة من قلب العتمة

في رواياته “ليلة اغتيال عود القصب” و*”فيسبوك”*، يظهر منور الخياط روائيًا يلتقط التفاصيل الصغيرة ليُبني منها مشهدًا اجتماعيًا معقّدًا. فهو لا يبحث عن الحبكة الصاخبة، بل عن الصورة الخافتة، المنزوية، تلك التي تهرب من الكاميرا وتعيش في زوايا النفس. يسرد بضمير المراقب الذي لا يجرّب فحسب، بل يحاكم ويؤرشف ويتألم. ويرتقب الوسط الأدبي عمله الروائي القادم “حين طار الغراب”، الذي يُتوقع أن يكون امتدادًا لتجربته في الغوص في أعماق الذات العراقية المضطربة.

مؤهلاته الكتابية وملامح أسلوبه:

يمتلك منور ناهض الخياط أدوات سردية واضحة المعالم: البناء المتماسك، اللغة الموحية، الحسّ المسرحي في الحوار، والقدرة على التقاط اللحظة المفصلية. وهو كاتب يعرف كيف يوزع الإيقاع داخل النص، ويُوازن بين التخييل والواقعية، وبين الألم الخاص والوجع الجمعي.

وقد كتب بعض النقاد عنه مشيدين بـ”مهارته في صياغة الشخصيات التي لا تنسى، تلك التي تبقى في الذاكرة لأنها ببساطة تشبهنا”، بينما أثنى آخرون على “صوته القصصي المنتمي إلى همّ الإنسان العراقي في ظل الخراب المتراكم”.

حضور في الصحافة والمجتمع الثقافي:

نشر الخياط نصوصه في صحف مهمة مثل طريق الشعب والحقيقة وأوروك، فضلًا عن مشاركته كمراسل صحفي ومحرر، وعضويته في لجان تحكيم لمهرجانات مسرحية، منها المهرجان القطري للمسرح الابتدائي في النجف. كما كانت له إسهامات في مجال أدب الطفل، من خلال مجموعة وطن الحب ومسرحيات أخرى، ليؤكد شمول اهتمامه ووعيه بطبيعة كل فئة عمرية.

ومنور ناهض الخياط هو أكثر من قاص أو كاتب مسرحي أو روائي. إنه شاهدٌ على زمنٍ منكسر، وصوتٌ يحاول ترميم الشقوق بالنصّ، باحثًا عن وطنٍ لا يُغتال فيه القصب، ولا يُطارده الغراب. وفي كل ما يكتب، يبدو الخياط منشغلًا بالمهمَّش والمنسي، وكأنه يقول: “ما دام للحكاية نبض، فثمة من يستحق أن يُروى له، ويُكتب عنه”.

قد يعجبك ايضا