حيدر فليح الشمري
حين يفرغ الزمن من صبره، ويهدأ ضجيج الحياة، يتقدّم الموت بخطواتٍ لا تُسمع، كضيفٍ يعرف طريقه إلى القلب دون استئذان، ليس الموت ضدّ الحياة كما يظنّ الناس، بل هو حدّها المنطقي، فصلها الأخير، وسطرها الذي يُعيد للنص اتزانه، فكما لا معنى لبدايةٍ بلا نهاية، لا تُدرك قيمة الوجود إلا حين تلامس ظلال الفناء.
قال الفلاسفة إن الموت لغزُ الوعي، ورآه الشعراء نومةً طويلة بين الحلم والعدم، أما الحكماء فقالوا:
” هو يقظة الروح بعد غفلة الجسد ” كلٌّ رآه من زاويته ، لكنّ الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام اختصر المسافة حين قال :
“الناس نيام ، فإذا ماتوا انتبهوا ” ، بهذه العبارة يفتح لنا الإمام بابًا من نورٍ في عتمة الفقد ، إذ يجعل الموت بدايةً جديدة لا نهايةً باهتة ، صحوةً لا سقوطًا، عبورًا لا فناءً.
الموت لا يسرقنا، بل يخلّصنا من وهم الدوام، يُعيد ترتيب الفوضى التي صنعها الزمن فينا، فيجعل لكل لحظةٍ قيمتها، ولكل حبٍّ وزنه الحقيقي، هو الصمت الذي يُكمل ضوضاء الحياة، والمعنى الذي يُنهي سطوة السؤال: ما هي الحياة؟
فالحياة دون موتٍ كانت لتغدو عبثًا، ككتابٍ بلا ختام، أو نهرٍ بلا مصب.
في وجه الموت، يتساوى الجميع: الفقير والغني، الحاكم والمقهور، العاشق والمنكسر، كأنّه العدل المطلق الذي ينتظره البشر، المرسوم على جبين الوجود منذ الأزل، لكنّ الجميل فيه أنه لا يُنهينا كلّنا مرةً واحدة، بل يتركنا نراقب رحيل بعضنا كي نتعلم، ونتطهّر، ونتصالح مع الغياب.
إن الموت في جوهره ليس ظلامًا، بل عودةٌ إلى النور، هو السطر الأخير في كتاب الحياة، لكنه أيضًا الصفحة الأولى في كتابٍ آخر لا تُكتب فيه الأقلام، بل تُقرأ فيه الأرواح.