سفر بلا أمتعة

مروان ياسين الدليمي

1

في الصباح،
حين ينسى الضوءُ نفسه على حافة الستارة
أشعر أن الزمنَ لم يأتِ بعد
كأنه توقف في فنجان قهوةٍ باردٍ
ينتظر أن يتبخر كي يبدأ من جديد.

الأصوات التي كانت تملأ الدَرَجَ العجوز
صارت تهمس بخطى واهنة
لكنها تعرف أكثر من أي وقتٍ مضى
كيف تُغري الجدران بأن تصغي.

ثمة شجرة في الحديقة
تخلع أوراقها لا لأنها تموت
بل لأنها تعبت من الكتمان.
الريح تمرّ بها كما يمرّ الغفران
على وجوهِ الذين لم يعودوا يطلبونه.

كنتُ أظن الشيخوخةَ عتمةً
فإذا بها ضوءٌ لا يهابُ أن يرى الغبار.
صرتُ أسمع الألوانَ وهي تتنفس
وأشمُّ الخطايا القديمة في رائحة المطر.

الذاكرةُ الآن تمشي على رؤوس أصابعها
تخاف أن تُوقظَ النسيان النائم في سريري.
كم صارت الأشياءُ خفيفة
كأنها تعرف أن يدَ الوداعِ
هي أولُ يدٍ تتعلم كيف تلمس العالمَ حقًا.

2

أحيانًا أجد نفسي أضحك بصوتٍ غريب
كما لو أن الريح نفسها تقرأ الصحف القديمة
وتعيد ترتيب الأخبار وفق مزاجها.

القطط التي كانت تختبئ تحت الطاولات
تجلس الآن على الأرصفة
تحدق في الحجارة
وكأنها تعرف أن للوحوشِ القديمة الحق في التعبير عن نفسها.

أرى وجوهَ الغرباء في المرآة
تتناثر على جدار البيت كأوراق خريفية
تسألني إن كنتُ قد خسرت شيئًا
وأجيبها بأن الخسارة كانت مجرد وهمٍ لطيف.

السماء الآن تتحدث بصوتٍ منخفض
تحكي عن أشياء لا أستطيع أن أراها إلا وأنا أغمض عيني
تسألني عن الشجاعة والندم والحياة
وأشعر أن الجواب ليس في الكلمات
بل في الصمت الذي يملأ الحجرة.

العالم كله يبدو لي كالطفل الذي يسقط كل يوم
ثم يضحك ويعود للعب من جديد
وهكذا أتعلم أن الشيخوخة ليست سجنًا
بل هي طائرٌ حرٌّ يرقص على أطراف الريح.

3

الليلُ يأتي بلا استئذان
يحمل معه أصواتَ الطرقات البعيدة
وروائحَ أطعمةٍ لم أعد أتذكر طعمها
لكنه يهمس لي بأن كل شيءٍ له نهايته الخاصة
وأنني حرٌّ الآن، أخيراً، من كل شيءٍ سوى نفسي.

أرى الوقت يتساقط من السقف كالحبيبات الصغيرة
فتلمس ذراعي وتهمس: “لا حاجة للخوف،
كل ما فقدتَه موجودٌ هنا، في القلب، في الصمت، في الغياب.”

حتى الألم صار خفيفًا
كأنه يمشي معي على أطراف أصابعي
لا يختبئ
لا يطالب
لا يلوم
يصير جزءًا من ضحكةٍ قديمة
أو من شجرةٍ عاريةٍ في الحديقة
تتذكر كيف كانت تحب الشمس قبل أن تنكسر.

الشيخوخة، إذن، ليست خسارة،
هي السفر بلا أمتعة
هي قدرة على الاستماع إلى العالم كما هو
دون الحاجة لفهمه أو تفسيره
هي حريةٌ مفاجئة
صامتة
تنبعث من قلب الأشياء الصغيرة
التي لم أعرفها إلا الآن
بعد أن تركت كل شيءٍ خلفي.

قد يعجبك ايضا