محمد علي محيي الدين
في الديوانية، حيث الزرعُ يحنُّ للماء كما تحنّ القصيدة للوزن، وُلد كامل تومان حاچم الكناني عام 1941، ونشأ بين حقول الريف وبيوت الطين، يطارد الأحلام الصغيرة، ويلاحق قوافي اللغة في ظلال التواريخ البعيدة. هناك، تفتّحت موهبته الشعرية في صباه، كما تتفتح زهرة برية في صباحٍ جنوبيّ، لا تنتظر تصفيق أحد، لكنها تملأ الهواء بعطرها.
من فصول المدرسة إلى مدرجات كلية التربية – قسم اللغة العربية – في جامعة بغداد، ظل الكناني مسكونًا بهاجس الكلمة، يحفظ الشعر كما يُحفظ العهد، ويكتب كما تُروى الأناشيد في ليالي العائلة. تخرّج عام 1966 – 1967، لا ليغادر الأدب، بل ليغرسه في طلابه، حين حمل طبشور اللغة في مدارس الديوانية، ثم في مدارس محافظة بابل، حيث استقر وأقام بعد عام 1975.

شاعر يستدرج الماضي… ولا ينفصل عن الحاضر
لم تكن تجربة كامل الكناني أسيرة التقليد، ولا صدى لأصوات سبقته، بل كانت امتدادًا أصيلًا لتجربة الجذور، وتنويعًا حيًا على نغمة القصيدة العربية القديمة، الممزوجة بروح معاصرة. يكتب القصيدة العمودية وهو يدرك أنها ليست قيدًا، بل جناحٌ يمتدّ به إلى فضاء الموهبة. يحمل على ظهر قافيته هموم الناس، ويخبئ في عروضه أنين المعلمين، ودهشة الأطفال، ووجع الحقول البعيدة.
وفي ديوانه المنشور أصوات وأصداء، نجد شاعرًا ينصت قبل أن يتكلم، يتأمل قبل أن يحكم، كأنما يعيدُ كتابة العالم من زاوية الشاعر الرائي، لا الراثي. قصائده تأتي على مهل، لكنها محملة برنينٍ صادق، ومفرداتٍ تنتمي للتربة، ولأرصفة المدن الصغيرة، وللأبواب التي أُغلقت على أسرار الطيبين.
أديبٌ يمشي في دروب المقامات والمسرح
ولم يتوقف الكناني عند حدود القصيدة، بل خاض غمار فنون أخرى قلّ أن يطرقها شعراء جيله، فكتب في فن المقامة، على طريقة بديع الزمان الهمذاني والحريري، وأبدع في مقاماته المخطوطة: المقامة الأشرافية والمقامة القروية، التي حاول فيها أن يحيي ذلك الفن العريق بروح عراقية، تنبض بهموم الريف وظلال التحولات الاجتماعية.
كما كتب مسرحيتين شعريتين: سوق عكاظ والسلطان المغفل، وكأنما أراد أن ينقل الشعر من الورق إلى الخشبة، من التأمل إلى المواجهة. وله مسرحية نثرية بعنوان أخبرني الحاخام، تفتح حوارًا بين الثقافات على أرض المسرح، وقصة بعنوان حكم القدر، تشير إلى حسه السردي الذي لا يغادره حتى حين يكتب الشعر.
ولم يكتف بالإبداع، بل خاض غمار التحقيق الأدبي، وأعاد إلى الضوء ديوان الشاعر الراحل محمد بندر أزهار الريف، في عمل توثيقي دقيق، يؤكد وعيه بدور الشاعر كباحثٍ أيضًا، وحارسٍ لذاكرة المكان.
رأي النقاد: شاعر الأصالة والاتزان
يرى النقاد أن تجربة كامل الكناني تقف على أرض صلبة من اللغة والوزن والذوق، وأنه من القلائل الذين ظلوا متمسكين بجوهر القصيدة العربية، دون أن يغلقوا أبوابهم أمام الجديد. أشادوا بتوازن قصيدته، ورصانة عبارته، وانحيازه إلى المعنى من دون أن يُهمِل الصورة، وإلى الإيقاع من دون أن يُضحّي بالصدق.
وقد اعتبره بعض النقاد “واحدًا من الأصوات التي بقيت تنبض بإخلاص في الهامش الجغرافي، لكنها لا تقل شأنًا عن أصوات المركز”، خاصة وأنه واصل الكتابة والنشر بعد التقاعد، وساهم في الحياة الأدبية والثقافية بكل ما أوتي من طاقة وانتماء.
حضور فاعل في المهرجانات والأنشطة الأدبية
شارك الكناني في مهرجانات الشعر منذ أن كان طالبًا في كلية التربية، ومنها مهرجان الأدب العربي الحديث الذي أقامته الراحلة الدكتورة عاتكة الخزرجي، ثم استمر حضوره في مهرجانات جمعية الرواد، ومناسبات اتحاد الأدباء، وفعاليات العتبة الكاظمية، ومهرجان بابل الثقافي العالمي، واتحاد أدباء كربلاء، مؤكدًا بذلك استمراريته كشاعر يعيش في قلب المشهد، لا على هامشه.
كما أنه عضو في اتحاد أدباء وكتاب بابل ، وعضو في جمعية الرواد الثقافية المستقلة، وهي مشاركات تُظهر عمق انخراطه في الفضاء الثقافي المحلي، وتثبّت اسمه ضمن شعراء الوسط الذين يبنون حضورهم بالموهبة لا بالضجيج.
بين الشاعر والمعلم… ظلٌّ لا يغيب
كامل الكناني ليس شاعرًا عابرًا، بل من أولئك الذين يشبهون أعمدة البيوت الجنوبية، صامتة، لكنها تحمل السقف، وتمنح المكان هويته. شاعرٌ يكتب كما يعلّم: بصدق، وحرص، وحب. كلماته لا تطير إلى الغيم، بل تمشي على الأرض، تبحث عن قلبٍ نظيف، وأذنٍ صاغية.
وفي زمن تتنازع فيه القصيدة بين التراث والتجريب، اختار الكناني أن يكون جسرًا، لا حاجزًا، بين القديم والجديد، بين المدرسة والمقهى، بين المقامة والمسرح. شاعرٌ يكتب لأن الشعر، بالنسبة له، ليس هواية ولا مهنة، بل قدرٌ من حكمته أن يُعاش.
إنه من أولئك الذين لا يُقاسون بعدد الدواوين، بل بما تركوه من أثرٍ في طلابهم، وقرائهم، وأصدقائهم… ومن ظلّ القصيدة التي لا تشيخ.