حسن العكيلي
لم تشأ الصدفة ان التقي به قط في حياتي سوى ساعة من الزمن ثم انفض اللقاء على عجالة وانقطعت اخباره – ماعدا بعض الاخبار التي ترد من اقاربه وكانت تمر من فوق الرؤوس كغيوم الصيف الشاردة المبعثرة. على صفحات السماء تبعثر الحصى المبثوث على منحنى الوادي العميق.
فكل ما عرفته – انه كان شابا مؤدبا خلوقا لا يترك حديثه يمر مرور السحاب الا وزينه بآية قرآنية او حديث نبوي شريف وما استنتجته من خلال تلك الدقائق الستين انه متزوج من عشرين سنة وانجبت له زوجته الاولاد والبنات وراحوا يساعدونه في مزرعته الواسعة ويحترم زوجته مرتين مرة لكونها ام اولاده. ومرة لأنها الوريثة الوحيدة لأرض والدها المجاورة لأرض زوجها ..
وبعد ان اصيبت زوجته بداء السكري الذي غير ملامحها وأنهك قواها، طلب منها الموافقة على زواجه بإمراه اخرى وبعد شد وجذب ورفض وقبول رضخت لطلبه – شريطة ان تكون امرأه فقيرة مطيعة لأوامرها كزوجات اولادها.
وطيلة تلك الفترة كانت تخرج يوميا بعد شروق الشمس الى المزرعة مع ابناء زوجها تزرع وتحصد وتسقي الحيوانات لتعود الى البيت لتكمل واجبها في اعداد وجبة الغداء ثم تقوم بإشعال الحطب داخل التنور الطيني لإعداد الخبز الحار وتنتقل اخيرا الى غسل الصحون – لتعيش حياتها كحياة محكوم بالأشغال الشاقة المؤبدة.
لم يمضي على زواجها سوى سنتين لكن قائمة طويلة من المشاكل اجبرتها ان تعود الى بيت ابيها وهي تحمل في جيبها ورقة طلاقها وطفلا ذكرا في احضانها لايتجاوز عمره الشهرين – عادت كأي امرأة مهزومة مكلومة فشلت في تجربتها الأولى.
حاولت ان ترمم زجاج روحها المهشمة أثر الصدمة العنيفة التي هزت كيانها بعنف وحولته الى رماد تذروه الرياح ولكن لم تستطع. فليس من السهل عليها اعادة بناء مدينة منكوبة تعرضت الى أعنف هزة أرضية، فأجواء بيت اهلها الممطرة بالضنك والفاقة طيلة ايام السنة لا تحمل بين طياتها غير القلق والعوز ونتيجة فراغ الجيوب وخلو الصحون من ارغفة الخبز وشدة وقع الصدمة التي تعرضت لها. جف ثديها من الحليب بعد ان ردمت ينابيعه بتراب الفجيعة – وكاد طفلها يموت من جراء الجوع والهزال لولا مشيئة الله تعالى. فعاش ضعيفا هزيلا بطيئ النمو كحبة قمح نمت وسط ارض احيطت بالسباخ والعطش واكتظاظ المكان بالمعرقلات.
عندما كانت تجلس مع نفسها تأخذها الافكار بعيدا ترميها بمنجنيق الوحشة وسط الامكنة التي داست فوق صدرها ولفضتها خارج حدود مملكتها كمريض شوه جسده الجذام. لقد عادت الى بيتها كحمامة اصابها صياد متهور برصاصة لا تعرف الرحمة – تتكأ على نصل السيف بجناح مكسور نازف. كجندي مهزوم يجر اذيال الخيبة والخسران. عادت الى عشها الاول وكانت راضية بكل ما يقدم لها مقتنعة بحياتها كل ذلك من اجل طفلها الذي سيعيش في قادم الايام في لب البؤس والحرمان بعد ان تبرأ منه ابوه امام الجميع .
مرت الايام سريعة كحصان جامح واخذت معها امها اولا وابوها ثانيا. وبعد موتهما اصابت العائلة وعلى حين غرة هزة زعزعت كيانها بعد فقدان ربان السفينة وملاحها فتمرد اخوتها عليها وراحوا يعاملونها معاملة سيئة للغاية فطلبوا منها ان تعزل نفسها في غرفة ضيقة اشبه بقبو تعشعش فيه الفئران والخفافيش. وان لا تشاركهم اكلهم وقطعوا عنها المعونة فتضرر رضيعها واصابه الجفاف.. ولولا الموقف الانساني الذي تبناه بعض الخيريين في اخراج راتب لها من الرعاية الاجتماعية لانتشالها من الجوع. لماتت هي وطفلها من الجوع – ولم تنقطع ايذاءاتهم الخسيسة لها حتى اتفقوا في ليلة ظلماء على ضرورة مطالبتها بالمشاركة في دفع اجور الماء والكهرباء والغاز والانترنيت.
كبر ابنها كالآخرين تاركا مدرسته ليعيل امه على صعوبة الحياة- ويسند حائطها الذي راح يميل صوب الارض.. كظهر عجوز تجاوز التسعين من عمره، وبعد ان نجح بعمله وفرحت بكده وصار الشجرة المثمرة التي تظلل امه وتحميها من حر الصيف اللاهب امتعضوا جميعا من ابن اختهم وحقدوا عليه لأنه كان السبب بتغيير حياة امه نحو الافضل وعوضها عن الخسارات والانتكاسات النفسية والمادية فصار لها الابن والاخ والحائط القوي الذي تستند عليه بعد ان فقد والده واخواله الذين تبرؤا منه ومن امه..
لم تتوقف مؤامرات أولئك الاخوة المتخمين بالحقد على اختهم. فاتفق الجميع ان يبيعوا بيتهم ليأخذ كل واحد منهم حصته ويذهب الى حال سبيله وبعد ان رفضت الاخت اقتراح اخوتها هددوها بالقتل، لكنها وافقت مجبرة وعلى مضض.. خوفا على نفسها وولدها من الضياع.. بعد بيع بيت والدها وخروج اخوتها الواحد تلو الاخر متناثرين كخرز مسبحة انقطعت وتلاشوا في الارض كاسراب النمل الهاربة من جحيم النار.
بقيت الاخت وحيدة في دار كانت بالأمس تعج بالضجيج والضجر تذرف دموعها على ذكريات لا تقبل النسيان. حتى تفاجأت بصاحب البيت وهو يطلب منها الخروج بسرعة- حاولت ان تترجاه بإعطائها مهلة للبحث عن بيت للإيجار لكنه رفض توسلاتها فخرجت من الدار وقد كدست اغراضها قبالة الشارع العام وهي لا تعرف ماذا تفعل -واين ستتجه والى اي جهة ستشد الرحال- وقد اوصدت جميع الابواب بوجهها.
مضى على جلوسها ثلاثة ايام بلياليها كأي انسان مرفوض منبوذ مستبعد متجاهل من قبل الجميع. وبينما هما كذلك حتى توقفت امامها احدى سيارات الحمل الكبيرة ونزل منها رجل تبدو على وجهه ملامح الايمان والتقوى وطلب منهما ان يذهبا معه لإسكانهما في بيت تتوفر فيه كل ما يحتاجه الانسان فوافقا على طلبه. وما عرفته ايضا ان ذلك الرجل طلب منها الزواج فوافقت وانهما يعيشان الان حياة سعيدة خالية من المنغصات. وبعيدا عن مصادر النيران والسهام المسمومة التي كان تنطلق نحوها ومن أقرب الناس اليهما.