العربية.. لغة انتاج واستيعاب فكري وفلسفي

د. نزار الربيعي

حين نتحدث عن اللغة العربية والتكوين الحضاري فإننا لا نتحدث عن لغة إقليمية محصورة في أطر زمانية ومكانية محددة، بل عن لغة ذات أبعاد كونية تضرب جذورها عميقا في زمان ممتد لم يعان الانقطاع، لغة تمتد على مساحات شاسعة من قارات العالم القديم تاركة آثارها العميقة في مسيرة الحضارات الإنسانية الكبرى جميعها، وهي إلى هذا لم تنحصر في إطار لغة قومية، بل أصبحت، في صور متعددة، لغة حضارات أمم انصهرت في بوتقة العقيدة الإسلامية.

إن هذه السمات تجعل من العربية لغة تمتلك ميزات متعددة خاصة بها تفردها عن غيرها من اللغات الأخرى، وهذا التوصيف ليس سعيا إلى تقييم إعلائي عاطفي، بل سعي إلى وعي بأبعادها وتأثيراتها، والمراحل التي عبرتها في تاريخها الممتد منذ ما يزيد على خمسة عشر قرنا.

إن معاينة العربية بوصفها فكرا وثقافة وتكوينا حضاريا يدفع إلى قراءتها في سياقاتها وامتداداتها ومراحلها المتعددة:

– مرحلة تشكلها لغة عليا معبرة عن العرب وحياتهم وثقافتهم في الجزيرة العربية وما يصاحبها من الأماكن، وهو ما يمثله أدب العصر الجاهلي وبخاصة الشعر.
– ومرحلة انتقالها من لغة شعب وإقليم إلى لغة كونية حين غدت لغة سماوية، لغة القرآن الكريم، وبالتالي الحامل لعقيدة كونية أعلنت عن نفسها عقيدة للبشر عامة، وهذا ما جعل العربية الحاملة هذه العقيدة، في أقل من قرن، لغة عالمية كبرى تشكلت في أطرها وسياقاتها أسس الحضارة الكونية العظمى التي سادت العالم قرونا عديدة، وامتدت على مساحات شاسعة من قارات العالم القديم، وغدت لغة الحضارة الإنسانية التي انحلت في بوتقتها لغات وحضارات متعددة، وشكلت بالتالي حلقة محورية في الحلقات الحضارية الإنسانية الكبرى.
– ومرحلة الركود والتراجع أمام حضارات جديدة بدأت فرض سطوتها وسيطرتها منذ النهضة الأوروبية وحتى العصر الحديث، مع ملاحظة مراحل وتحولات جزئية داخل هذه المرحلة الكبرى التي شهدت صعودا متناميا لحضارات ولغات، وتراجعا وانكماشا لحضارات ولغات أخرى.

إن قراءة في كتاب “الحروف” للفارابي، لتضعنا أمام لغة جديدة، لغة فلسفية تتمثل الفكر الفلسفي وتطوع العربية للتعبير عنه مستندة إلى ما يمكن وصفه بإيجاد لغة داخل اللغة، لغة تتشكل استنادا إلى فكر فلسفي يستدعي لغة خاصة به قادرة على حمله في صيغ اصطلاحية ومحمولات دلالية خاصة تشكلت من خلال ترجمته من لغته الأصل إلى العربية، وهذه عملية تأملها الفارابي بوعي عميق مسند بمعرفة لغوية دفعته إلى إدراك الإشكاليات التي تترتب على عملية الترجمة، وبخاصة ترجمة المصطلحات من لغة إلى لغة، وهي إشكاليات تصيب بنية اللغة المستقبلة ونظامها، وتولد في داخلها لغة اصطلاحية غريبة عليها في مبناها ومعناها.

وقد مكنته معرفته اللغوية الواسعة من إجراء مقارنة بين اللغات من حيث أنظمتها، وكيفية توليدها مصطلحات جديدة قياساً على مصطلحات وافدة من لغة أخرى وثقافة أخرى. فهو مثلاً يتحدث عن وجود الأفعال المساعدة في اللغة اليونانية والفارسية، ويشير أن لا مقابل لها في العربية، يقول:

“وليس في العربية منذ أول وضعها لفظة تقوم مقام “هست” في الفارسية، ولا مقام “استين” في اليونانية، ولا مقام نظائر هاتين اللفظين في سائر الألسنة. وهذه يحتاج لها ضرورة في العلوم النظرية، وفي صناعة المنطق. فلما انتقلت الفلسفة إلى العرب واحتاجت الفلاسفة الذين يتكلمون بالعربية… ولم يجدوا في لغة العرب منذ أول ما وضعت لفظة ينقلون بها الأمكنة التي تستعمل فيها “استين” في اليونانية، و “هست” بالفارسية فبعضهم رأى أن يستعمل لفظة هو مكان “هست و”استين وأما في الفلسفة فإن الجوهر يقال على المشار إليه الذي هو لا في موضوع أصلاً فإنهم (الفلاسفة) يعنون بالجوهر ههنا الأشياء التي بالتئام بعضها إلى بعض تحصل ذات الشيء.

إن معالجات الفارابي الفكر الفلسفي وبحثه عن اللغة القادرة على التعبير عنه يمثل نموذجاً مبكراً ومتقدماً يقف على قضية استجابة اللغة للتعبير عن فكر جديد عليها بلغته ابتداء، وهذا ما دفعه إلى بحث لغوي – فلسفي، رأى على ضوئه الفوارق بين الأنظمة اللغوية، وكيفية إيجاد حلول لغوية داخل نظام اللغة العربية نفسها للمشاكل التي تولدها عملية الترجمة على المستوى اللغوي الخالص، والمستوى الاصطلاحي للمفردات التي يريد أن تكون مقابلاً للمصطلحات الوافدة من اللغات الأخرى.

وقد قدم الفارابي تصوراً محدداً لكيفية “إنتاج مصطلح” لغوي في إطار اللغة المستقبلة “العربية” ليقابل مصطلحاً منقولاً إليها من لغة أخرى.

قد يعجبك ايضا