مروان ياسين الدليمي
(90)
أنا أتنفسُ في ثنايا الحجر
أسمعُ صوتَ الصمتِ يُرتّلُ صلاةَ الغياب
الريحُ تلمسُ وجهي برائحةِ الذاكرةِ الحادّة
والأشجارُ تتحركُ كأرواحٍ تُصارعُ نسيانها
وأنا أبحثُ عن معنى الشعر
ليس في الكلمات
بل في الفجواتِ التي تتركها
في الأثرِ الذي لا يُمحى
في الذكرى التي لا تذبل
وفي سخريةِ الحياةِ التي تسكنُ بين السطورِ
تضحكُ بصوتٍ مكتومٍ
كأنّها تعرفُ أنّنا نكتبُ لكي نفهمَ .
وأننا نفهمُ لكي نكتبَ.
(91)
أحيانًا،
تتكسرُ الكلماتُ في فمي
تُصبحُ أشياءً لا تشبهني
كأنها عواصفُ صامتةٌ
تهبُّ على حديقةِ روحي
تزرعُ فيها حبرَ الألمِ والفرحِ
ترسمُ على جدران قلبي لوحاتٍ من الضياعِ والحنينِ
وأنا أبحثُ عن معنى الشعر
في ضوءٍ يتراقصُ بين دموعِ الظلال
وفي نغمةٍ تئنُّ كعزفِ قيثارةٍ مكسورةٍ
بينَ الصمتِ والصراخ
بينَ الحقيقةِ والوهم
بينَ ما يُقالُ وما يُخفي.
(92)
القصيدةُ
ليست سوى حقلٍ من النارِ الباردة
تشتعلُ بصمتٍ لا يُرى
تُشعلُ في داخلي ثورةَ ضوءٍ وألم
تتراقصُ على أطراف أصابعي كأشباحٍ لا تموت
تنبضُ في كل حجرٍ، في كل ورقةٍ
تتنفسُ رائحةَ الفصولِ الممزقة
وتحكي قصةَ الليلِ الذي لا ينام
وأنا
أسيرُ بين هذه الرموزِ المتشابكة
أبحثُ عن معنى الشعر
في فراغٍ
يلتهمُ الكلامَ
وفي صمتٍ يصرخُ بالحقيقةِ المخفية.
(93)
الظلالُ تهمسُ بأسماءٍ نسيتُها
تنسجُ في الهواءِ لحنًا بلا لحن
رائحةُ الترابِ تغسلُ وجهي
كأنّ الأرضَ تُعيدُ ترتيبَ الألمِ والفرحِ
والأشجارُ ترقصُ بخجلٍ على إيقاعِ الريحِ الغامضة
تتلوّى كأنّها حكايةٌ لا تُروى
أنا هناك
أمسكُ بخيوطِ هذا الغموض
أبحثُ عن معنى الشعر
في تقاطعِ الحواس،
حين يلتقي البصرُ بالشمِّ
وتتناغمُ الأصواتُ مع الصمتِ
ويصبحُ الغموضُ لغةَ القلبِ الوحيدة.
(94)
القصيدةُ زهرةٌ سوداءُ
تنمو في صحراء الرؤى المهجورة
تستنشقُ رائحةَ دموعِ الليل
تتنفسُ أنفاسَ الغيابِ والحضورِ المتشابكين
تتحركُ كأنها حلمٌ لا يهدأ
كصدى خطواتي في ممراتِ النسيان
وأنا أبحثُ عن معنى الشعر
في ظلالِ الكلماتِ التي تتشظى
في فراغٍ يُضاءُ بأنينِ الغموض
في حكايةٍ تُروى بصمتٍ ساخر
حيثُ تتلاقى المتناقضاتُ
وترقصُ الأضدادُ معًا على مسرحِ الذاكرةِ المكسورة.
*مقاطع من مجموعتي الشعرية “أبحث عن الشعر” الصادرة 2025