فالح الشلاه.. سيرة ذاكرة عراقية تبحث عن المعنى

محمد علي محيي الدين

في مدينة الحلة، تلك المدينة التي وُلدت على نهر الفرات كما تُولد القصيدة على نغمة، أبصر القاص فالح محي جعفر الشلاه النور. كان طفلاً يطلّ من ذاكرته المبكرة على الجسر العتيق، يشاهد الجسّارين وهم يفتحونه لتمرّ السفن القادمة من مدينة هيت محمّلة بالقير، متجهة نحو مدن الجنوب، ثم تعود أدراجها مثقلة برائحة الأهوار، تحمل الحُصران والقوغ من الناصرية. تلك المشاهد الأولى، التي اختزنتها عين الطفل، شكّلت لاحقًا نواة الذاكرة التي ستنمو فيها الحكاية والرمز، وتفيض في نصوصه القصصية تأملًا في الزمن والمكان والإنسان.

ولد الشلاه في محلة الجامعين، قلب مدينة الحلة، في 11 تموز 1952، توأمًا لأخيه الراحل صالح محي الشلاه، غير أن سجلات الولادة حملت مفارقة غريبة، إذ سُجّل أحدهما في عام 1953 والآخر في 1952، بينما كانت ولادتهما الحقيقية عام 1950، كما أشار هو بنفسه في كتابه الأول «هذا أنا»، تحت فصل بعنوان «يوم مولدي».

نشأ فالح في بيت ميسور الحال. والده كان تاجرًا بدأ عمله في تجارة التبغ المستورد، ثم في الأقمشة، فاشترى عقارًا في سوق البزازين – المعروف بـ«سوق البلدية» – أحد أهم مراكز تجارة الحلة آنذاك. ولم يكتفِ الأب بذلك، بل عمل في تجارة الحبوب، وخاصة الرز (التمن)، الذي كان يجلبه من مناطق الفرات الأوسط: الصليجية، الشنافية، المشخاب، الكوفة وغيرها، حين كانت الحلة مركزًا تجاريًا مزدهرًا.

وفي مطلع خمسينيات القرن الماضي، انتقلت الأسرة إلى محلة المهدية. وكان الأب يرتدي الفينة الحمراء المحاطة بقطعة قماش خضراء دلالة على نسبه العلوي. سافر إلى عدد من الدول، وكانت رحلته إلى لندن عام 1957 للعلاج محطة فاصلة في حياته، عاد بعدها محمّلًا بأفكار جديدة عن التعليم والنظام والحياة. كان يحث أبناءه دائمًا على الدراسة قائلاً: “اجتهدوا لتسافروا وتدرسوا خارج العراق.”

لكن القدر لم يمهله طويلًا، فرحل عام 1964، لينتقل فالح وأسرته إلى محلة الكورد، حيث بدأ فالح دراسته المسائية وسط ظروف مادية صعبة، واجتهد حتى أتمّ المرحلة المتوسطة بنجاح باهر، فكان الوحيد الذي اجتازها في شعبته، وربما في المدرسة كلها. يروي أن الأستاذ الراحل شمخي الجبوري سلّمه شهادته قائلاً: “أنت مناضل… أتمنى لك التوفيق.” ومنذ تلك اللحظة، فهم معنى النضال الحقيقي، لا ككلمة، بل كمسيرة حياة.

كانت محلة الكورد مجتمعًا صغيرًا يعجّ بالتناقضات؛ مزيجًا من الطيبة والعنف، من الورع واللهو، من المتديّنين والمشاغبين، من الفقراء الذين يحلمون بمستقبل أفضل، ومن العمّال والبنّائين وحراس المدارس. هناك، تعلّم فالح معنى التعدد الإنساني، وعايش وجوه الناس وأمزجتهم المختلفة، فغدت تلك المحلة رحمًا دافئًا لوعيه المبكر، ومرآة يرى فيها تناقضات العراق كله.

يقول عن تلك الفترة: “كانت مرشّحات رأسي تعمل بلا كلل، وأنا أرفدها بوقود القراءة والمتابعة الفكرية.” في تلك البيئة الشعبية بدأت ميوله الأدبية تتفتح، فتعلّق بالكتب والفكر والسياسة، وكان أول كتاب قرأه بتمعّن هو «كيف تثقّف نفسك» للمفكر سلامة موسى، الذي ترك بصمته العميقة في تكوينه الفكري، فصار يرى في القراءة طريق الخلاص من الفقر والتناقض والضياع.

تخرّج الشلاه في كلية الزراعة – جامعة البصرة عام 1975، ضمن الدفعة الأولى من قسم الثروة السمكية ومصادر المياه، وعمل بعد تخرجه في مركز البحوث السمكية في الزعفرانية. غير أن العمل البحثي لم يطفئ شغفه بالكتابة، فظلّ يدوّن يومياته وتأملاته، إلى أن جاء يوم قرّر فيه أن يقدّم نفسه للقراء من خلال الكتابة، فكانت البداية بكتابه الأول «هذا أنا». الذي صدر عن دار أزمنة، وقدّمه الإعلامي والسياسي عبد المنعم الأعسم بمقدمة حملت عنوان «أقرؤكم مخاضة الشلاه»، كتب فيها:

“فالح الشلاه ينتمي إلى كوكبة من الكتّاب الذين قضوا أعمارهم في القراءة والتأمل والجدل الفكري، ولم يسقطوا سريعًا في غواية النشر. ولد كأنه يحمل كتابًا بيده، ولم يُعرف متى بدأ رحلته مع الكلمة.”

وقد أقيم حفل توقيع الكتاب في كربلاء بإشراف المختصة الثقافية لمحلية الحزب الشيوعي العراقي، أدار الجلسة القاص سلام القريني، وتحدث فيها عبد المنعم الأعسم عن الكتاب ونصوصه، فيما شهدت الجلسة حوارات ثرية حول مضامينه.

أما الدكتور فالح مهدي من جامعة السوربون، فكتب تحت عنوان «في حضرة فالح الشلاه»: “إن الكتابة المتأخرة عند الشلاه ليست تأخرًا في النشر، بل دليل على عمق الذات الجريحة التي لا تبحث عن شهرة، بل عن خلاص. (هذا أنا) ليست نرجسية، بل صرخة تقول: هذا هو العراق.”

وكتبت الأديبة شهرزاد الربيعي على صفحتها في «فيسبوك»: “في (هذا أنا) يريد فالح الشلاه أن يصرخ بأناه في جمهوريات الموت، تحت وطأة الأيديولوجيات المتعاقبة، ليقول: هذا أنا… فهل من متجاهل؟ لقد اختزل أصوات أبناء بلده في شخصه، ليستعيد تاريخهم المسلوب.”

أما الأديب الراحل عباس إبراهيم فقال عنه: “يا سيدي فالح، ما أصدقك وما تحمل. أنت مثقف حقيقي في زمن يتراجع فيه العقل. يا أسفي على مركبنا الذي تلفت أشرعته وكسرت مجاذيفه، دمت كما أنت: نبيلاً ومؤمنًا بالإنسان.”

وفي كتابه الثاني «قصصي أنا»، الذي قدّمه الأديب سلام القريني بعنوان «حوار مع النفس»، واصل الشلاه رحلة البوح، لكن بلغة أكثر فنية وصدقًا. فهو لا يكتب سيرة ذاتية تقليدية، بل يقدم سيرة وطنية مضمّخة بالحنين والوجع.

كتب الدكتور سعيد عدنان عن الكتاب قائلاً: “فالح الشلاه يستعيد حياته بكل مرارتها، لا ليستريح منها، بل ليواجهها، وليحرّض على مقاومة زمن امتلأ بالضآلة السياسية والانحدار الأخلاقي.”

وقد أقيم حفل توقيع الكتاب في BDC مول برعاية المهندس سليم الربيعي، بحضور نخبة من الأدباء والمثقفين، وتحدث فيه عبد المنعم الأعسم عن المؤلف ومنجزه، كما قدم الدكتور علي إبراهيم والشاعر عادل الياسري أوراقًا نقدية قيّمة عن الكتاب.

وكتبت الأديبة شهرزاد الربيعي في مجلة البنفسج (العدد 43، كانون الثاني 2024): “قصص فالح الشلاه ليست مجرد ذكريات، بل محطات حياة تمور بالشخصيات الحقيقية التي تحولت بمهارة الكاتب إلى رموز أسطورية: (عباس الشرطي)، (فختاية أم الباقلاء)، (لميعة الحفافة)، و(حمودي الوجودي)… جميعهم خرجوا من رأسه ورأس المكان ذاته ليضيئوا ذاكرة العراق.”

أما الأديبة والمهندسة إيمان البستاني فقد كتبت في مجلة العشرة كراسي تحت عنوان «حزمة أحزان عراقي»: “قصص فالح الشلاه تشبه بساط بابل الشهير، منسوجة بصوفٍ من الدمع والحنين، رائحتها كرائحة الأمهات، لغتها شاعرية مكثّفة، وهو الناطق باسم المهاجرين والمهجّرين قهرًا، الذين لم تسعفهم لغتهم بالبوح، فكتب عنهم ومن أجلهم.”

ختاما ليس فالح الشلاه مجرد قاص يكتب عن الماضي، بل هو ذاكرة تمشي على قدميها، يكتب عن العراق كما يكتب الابن عن أبيه الغائب. في نصوصه نلمس وجع المكان وحنينه، وعبر لغته السهلة الممتنعة ينجح في أن يجعل القارئ شريكًا في التجربة لا متفرجًا عليها. ورغم أنه كتب متأخرًا، لكنه كتب بعمق من عاش الزمن لا من قرأه، وبصدق من يرى في الكتابة مقاومة، وفي الذاكرة خلاصًا.

فالح الشلاه… اسمٌ يختصر مسيرة جيلٍ عاش بين الأمل والانكسار، وما زال يكتب ليقول للعراق: هذا أنا… وهذا أنت.

قد يعجبك ايضا