محمد حسين السدواي سارد الحارات والقلق الصامت

محمد علي محيي الدين

في ناحية السدة بمحافظة بابل، حيث يمتزج عبق الأرض بزهد الناس، وهدير نهر الفرات بصمت الحقول، وُلد محمد حسين علوان السدواي عام 1983، ليكون أحد أولئك الذين كُتب لهم أن يستخرجوا من التفاصيل اليومية بوحًا أدبيًا، ومن الوجوه العابرة شخصيات خالدة في الذاكرة السردية العراقية.
لم تكن دراسته الأولى في الزراعة لتلهيه عن الشغف العميق الذي نما فيه منذ مقاعد الدراسة: شغف القص والرواية، والانغماس في عوالم الأدب. لقد اختار أن يمشي بين السطور لا على السطور، وأن يفتح نافذة السرد على قرى منسية، وأحياء تنبض بالحكايات، وقلوب تمضي في الحب والفقد والانتظار.

انطلق السدواي في الكتابة وهو ما يزال طالبًا، يخطّ نصوصه في الصحف والمجلات، وينثر حكاياته على الورق كما تنثر الحقول سنابلها في موسم الحصاد. في عام 2009، صدرت له أولى مجاميعه القصصية “ذكريات الفتى الخجول” عن المركز الثقافي للطباعة والنشر في بابل، لتعلن عن صوت جديد في القصة العراقية، صوت يحمل بساطة الريف ودهشة الفتى الذي يراقب العالم من زوايا القلب.

وفي عام 2010، أصدر روايته “عزباء الحي”، التي لاقت رواجًا دفع دور نشر أخرى لإعادة طباعتها، لما فيها من حساسية سردية عالية، وتمكن فني في بناء الشخصيات والحدث، ولغة تتنقل بين الشجن والتهكم برشاقة واضحة. تلتها روايته “الحارس والليلة الأخيرة” (2017)، التي أبرزت نضوجًا واضحًا في أدواته، وميلًا إلى الغوص في أعماق النفس البشرية، حيث الخوف، والانتظار، وعبثية المصير.
ورغم انشغاله بالتدريس في كلية الزراعة بجامعة كربلاء، بعد نيله الماجستير، لم يتوقف قلمه عن الكتابة. بل ظل وفيًا لذلك القلق الجميل، قلق المبدع الذي لا يكتفي بما كتب، بل يطارد النص القادم بشغف لا يهدأ. فكان له أكثر من عمل تحت الطبع، منها: “الزقاق الملوّن”، و”غروب ومجنون وثرثرة”، و”متعة الساعة الثامنة”، فضلًا عن قصص قصيرة مثل “صورة صاحب الموكب”، و”بائع الحظ”، و”الحياة من النافذة”.
نُشرت قصصه في الصحف العراقية المعروفة كـالصباح والشرارة والزمان، وكذلك في المنصات الإلكترونية التي احتفت بنصوصه، كموقع نخيل عراقي وكتابات. وأقيمت له جلسة حوارية خاصة عن منجزه الأدبي في البيت الثقافي بمدينة المسيب، ليكرّس حضوره كروائي جاد وصاحب تجربة ناضجة.

يرى النقاد في محمد حسين السدواي روائيًا يحمل خصوصية صوت الحارات والضواحي، يُحسن التقاط الهامشي ويمنحه بطولة، ويكتب عن الإنسان العادي بلغة غير عادية. قال عنه أحدهم في جلسة تكريمية: “إنه يكتب الرواية كما يحرث الأرض: بصبر، وببطء، وبإيمان بأن ما يزرعه اليوم سيُثمر غدًا أدبًا خالدًا.” واعتبره آخر بأنه “يمثل تيار الواقعية الرقيقة في القصة العراقية، الواقعية التي لا تصرخ ولا تتكلف، بل تهمس وتنفذ إلى القلب.” ويُجمع من قرأوه على أن أبرز ما يميز كتابته هو توازنها بين البساطة والعمق، وبين واقعية الأمكنة وتجريد المشاعر، وأنه بارع في نسج العوالم التي تشبهنا، لكننا لا نراها إلا حين يعيد تقديمها لنا عبر عدسته السردية.

وقد أبدى النقاد إعجابًا خاصًا بروايته “الزقاق الملوّن”. يقول الناقد حسين الرفاعي إن السدواي قدّم فيها صورة رمزية مدهشة، ومارس المعايشة الدقيقة لشخصياتها، حتى جعل المتلقي يشعر وكأنه يسير بينهم، يراقبهم ويستبطن رموزهم، مثل بطل البنزين الفارغ وأقنعة المسرح وصور رجال الدين والممثلات والدولارات المزيفة. وأشاد بطريقة استثمار الكاتب لرمزية الحبل الممتد عبر الزقاق، الذي يمثل الحرية وحدودها، وتنوّع الشخصيات والطبقات في الزقاق، من قوميات وأديان مختلفة. ويختم الرفاعي قراءته بالقول: “لقد أبدع السدواي ببراعة النقل الصوري الرمزي، بطريقة ذكية وموهبة لغوية عالية، جعلته يتسيد مكانته بين الرواة الكبار.”

أما في رواية “الحارس والليلة الأخيرة”، فقد كتب عنها القاص والروائي حسين الأعرجي قائلًا: “القاص يختار الكلمات مفردة مفردة، ويطلق من ذاته المبدعة كمًّا هائلًا من الحمم الكتابية، ليغطي كويكب مدينة السدة بجواهر المعاني… لقد أتقن السدواي الغور في بحر النفس البشرية، ونجح في تحويل ثيمة بسيطة، كالحارس الليلي، إلى مرآة للنسيج الاجتماعي المتشابك، حيث تتقاطع الماديات بالرغبات والكوابح بالاندفاعات.”
ويتابع: “هو لا يكتب من الخارج، بل يتلبّس الشخوص ويخوض حيواتهم، يعرف من أين تُكتب الرواية، كما تقول العرب: من أين تؤكل الكتف.”

إن محمد حسين السدواي ليس فقط كاتبًا قادمًا من السدة، بل من زوايا الوجع العراقي، من ملامح الناس الصامتين، ومن صخب الداخل الذي لا يُرى. إنه روائي بملامح فلاح، وسارد بحسّ شاعر، وصوت سيظل يتردد طويلًا في خريطة الأدب العراقي المعاصر.

قد يعجبك ايضا