جمال العتّابي
كم لنا أن نتجنب طمس حضورية مضامين التنوير بطمس علاماته الدّالة عليه، تلك التي يهلّ عبرها على المجتمع! إن تجنباً من هذا القبيل مهمة لنا جميعاً لاسيما النخب المتعلمة، لا بد من أن ينبروا لقول التنوير فعلاً وعملاً، ويمارسوه فعلاً وعملاً ونهجاً دؤوباً، بوصفه علامة للخلاص من آثار الخراب، وما صنعته العدميات القاتلة للحرية والعقل.
تلك أولى العلامات التي توهجت في العراق منذ أواسط خمسينيات القرن الماضي، إذ تصدى عالم الاجتماع عبد الجليل الطاهر، لهذه المهمة، في دراسته «أصنام المجتمع» يقول عنها: ليس من الضروري أن تكون الأصنام مصنوعة من الخشب أو الذهب أو الفضّة، إنما نقصد بالأصنام: الأوهام والأساطير والأفكار المغلوطة، التي لا تخضع للبحث العلمي والمنطق، يتعصب لها الإنسان ويتحيز، تقيّد عقله وتحدده.

الخطورة في هذه الظاهرة أنها استفحلت بوصفها عادة مستحكمة في الوعي الجمعي العراقي أخذت منحى آخر لتبجيل الرمز والبطل السياسي والديني، أو الحزب والطائفة والعشيرة، يصل إلى حد خلق زعامات وهمية يدلّ على خواء فكري، وفراغ أخلاقي. لم يكن سهلاً على ابن (القرنة) أن يتبنى هذا الدور في وسط يسوده الظلام، وتشيع فيه الخرافة، كيف بمقدوره أن يواجه (مجازيا) الأفكار المحرّفة، المشوّهة التي يعتقدها الناس دون وعي، وبالإكراه أحياناً؟ لقد قرأنا دراسات فذّة للطاهر في محتوى يميزها عن سواها، لكن كتابه عن «الأصنام» عمّق إحساسنا في الدور الذي تبنّاه في مواجهة علمية أمام تجميد الفكر، وإشاعة الباطل، بلغة دالّة ومبتكرة، ورغم أن الطاهر لا يمكن اختزاله أو تبسيطه، تبقى شهيتنا قائمة على إعادة بناء صورته وتشكيلها منذ الولادة:
عند ملتقى النهرين دجلة والفرات ولِدَ الطاهر عام 1917، أبصر في (القرنة) النور على مقربة من شجرة آدم، المدينة عالم من الماء والطيور، تكتظ من حولها أشجار النخل بخضرة داكنة، هنا تتعانق الضفاف والمديات تتسع في الصيف، منذ الأزل لا تعرف أي يد أولى امتدت لتصنع هذا السحر لتهبه للإنسان؟ ما من شيء يتموضع في هذه الأرض الممتدة نحو شط العرب، إلا ويشير إلى تلك المسرّات الصغيرة التي عبأتها السفن وهي تمضي للخليج.
إن بصمات الخطوات الأولى ستبقى هناك أثراً ومعنى إنسانياً، في القرنة أكمل الطاهر دراسته الابتدائية، تعلّم درسه الأول في حب المعرفة، وأدرك أن مشواره لا بد من أن يقترن بالتفوق الدراسي للوصول إلى تحقيق أحلامه، أكمل دراسته في دار المعلمين الريفية عام 1929 عندما كانت الدار مشروعاً للعمل والأمل وتجاريب التربية الرصينة، وعلامة في تاريخ التعليم الأكاديمي تُدرس في حدود تاريخها كحضور متميز لجيل من التربويين الروّاد في العراق.
أحبّ عبد الجليل الطاهر كريمة قاضي القرنة أحمد جمال الدين، وتزوّجها، ثم انتقلت العائلة إلى بغداد ليكمل دراسته في دار المعلمين العالية، ويتفرغ للتعليم الثانوي عام 1946، بعدها التحق بالبعثة العلمية العراقية إلى جامعة السوربون في باريس، توجّب عليه أن يترك هواه العلمي والمعرفي في فرنسا والتوجه إلى شيكاغو في الولايات المتحدة، بعد أن قضى أكثر من سنة في باريس، نال الدكتوراه عام 1952، عاد إلى الوطن ليدرس اختصاصه في علم الاجتماع في كلية الآداب، وهو ثاني متخصص بعد زميله علي الوردي في هذا الميدان، إذ أسهما في تدشين أول قسم مستقل لعلم الاجتماع في العراق.

شهد عقد الخمسينيات ذروة نشاط الطاهر الفكري والمعرفي، خلال هذا العقد صدرت له الكتب التالية: «المشكلات الإجتماعية في حضارة متبدلة، البدو والعشائر في البلاد العربية، التفسير الاجتماعي للجريمة، أصنام المجتمع، العشائر والسياسة، أصول فلسفة الطبقة الوسطى في عصر النور، علم الاجتماع بين الفينومينولوجيا والتجريبية» فضلاً عن عشرات الدراسات والمقالات المنشورة في المجلات الأكاديمية والعالمية.
تناول الطاهر المعرفة وجعلها مساراً في حياته، رفض التكرار، وصاغ فلسفته ورؤاه وفق البحث الدائم عن الحقيقة، وجوهر الإنسان، ربما عن أشياء ما زلنا نجهلها وغير قادرين على أن نفكر فيها، وظّف موهبته وعقله وسلوكه من أجل أن ينالها، هذه المغامرة الحقيقية ليس لها قانون لأنه ينفر من المحددات، وهو خارج التأطير، نحو ما وراء المعاصرة في وقت مبكر، وبسبب عقله الحر تعرّض للاعتقال والفصل من الوظيفة بعد انقلاب 8 شباط/فبراير 63 مع نخبة من خيرة علماء ومثقفي العراق، ولم تسلم عقيلته من الفصل والاعتقال في سجن النساء في باب المعظم.
كان الطاهر لا يبحث عن أيما مكان يبعده عن تاريخ نسجته العصور، فهو المتشبث بجذور النخل على شواطئ القرنة، وعروق القصب في أهوار الجنوب، لكنه يلملم زمانه، ويهاجر مثخناً بجراح الوطن، يرحل للتدريس في جامعة الرياض في السعودية عام 1964، ومنها إلى ليبيا وهو في قمة عطائه الفكري، مؤمناً بأن الحياة لا بد من أن تستمر، دون أن تغيّر من نواميسها الأزلية شيئاً. تلك المدن فتحت له بيوتها وقلوبها، وراح نحو الآفاق المشرقة لينتج ويبدع، بعيداً عن الخوف والحروب والقمع والهزائم، لكنه مشتعل بالوجد واللهفة حين يطرق الوطن الباب عليه من جديد، بعد أن أثقلت عليه الأيام بالحزن على سنواته السالفات.

عاد إلى العراق عام 1968 ليواصل جهده العلمي بوتيرة أعلى، كان متألق الحضور، متفرداً بإنسانيته ونشاطه الدؤوب، وحرصه وإخلاصه لنفسه، ولثقته المفرطة بالأشياء والآخرين، قدّم للمكتبة أربع مؤلفات جديدة قبل أن يباغته الموت في منتصف يوم من حزيران/يونيو 1971، حين كان يحلم بأن يصنع له قارباً يبحر فيه إلى المرافئ الآمنة عند الملتقى.
ما أن نقف أمام مفكر من طراز عبد الجليل الطاهر، حتى نغمر بفيض ثقافته الممتدة في عمق الحضارة الإنسانية والتاريخ والمجتمع، هذا الرجل المتيّم بالعلم يستمر حواره معنا، ما دمنا نصغي إليه، ليجعلنا أقدر على فهم الأنثروبولوجيا، نكتشف عبرها المواقف والطرق الصعبة. فأي طراز من العلماء أنت يا عبد الجليل؟ إلى أي كوكبة تنتمي، وإلى أي عصر انتميت؟ كان بمقدورك أن تنتظر عمرك المقبل، أم أنك لم تقو على العيش في زمن منخور بالكذب والزيف؟ أكاد لا أحتمل أولئك الذين يتعمدون أن يتناسوك، كم من الجهالة والقبح يحملون؟