د. ياسين الزيباري
في هذا الحدث نورد مقارنة بين قصتين ضروريــتــيــن ، إحداهما سمعتها ، و الأخرى شاهدتها بنفسي فراجعت نفسي للمقارنة بين حامل الشهادة العالمـــيــَّـــة ، و بـيـــْــــن الأميــــَّـــة البدوية ، و تـــبـَـيـَّـــن لـــــي أَن َّالثقافة لا تــــأتـــي من الشهادة ، بل تـــأتـــــي من حليب الأم الطاهر ، و قد نرى راعياً للـــغـــَـــنــَم ثـــقافـــتــــُــــه أعلى من حامل الدكتوراه البعيد عن حياة الناس ، و البعيد عن المجلس العشائري ، و البعيد عن إطعام الناس و إكرامهم ، وذلك حسب معايشتي مع مختلف طبقات المجتمع ، تبدأ القصة الأولى من عائلة متكونــــَّــــة من زوج و زوجة فقط يعيشان في الصحراء ، و لديهم غنم كــــثــيــــر ، و مــِــــن بــيــنــِــها عزيزة على صاحب المنزل ، و هو رجل مضياف ، و حـَــدَثَ أنــــَّـــــه خرج للسفر ، و حـــضـــر الضّيــــوف ، فــأخبـــَـــرت الزوجة إخوتها القريــبــيـــن منها لاستقبال الضيوف ، و ذَبــــْــحِ خـــَــروف ٍ مــِـــن تلك الخرفان العزيزة على قلب الرجل ، و أكرمت ضيوف زوْجــــِــــها بـــكلّ تقديــــر و احــتــــرام ، و لما جاءَ المساءُ ذهب الضيوف إلى بيت آخر من الناحية الأدبيـــَّــــة لأن َّ الــــمـــرأة وحدها في البيت ، و حضر الزوج ، و أول عمل قام به ، بعدَمـــا أخبـــَـــرتـــْـــه زوْجــَـــتـــُــــه بما قامت به من إكرام ضيوفه ، ذهب ليلقي نظرة على الخرفان ، فانــــزعــــَـــج كـــثــيـــراً ، لــَـمــــّـــا عَـــلــــِــم أن َّذلك الخروف قد قـــُـــدِّم للضيوف ، و بـــَـــدأ بــــضـــرب زوجــَـــتــــِـــه ، و بـــَـــدأَ الصـّــراخ بـــيــنـــهما ، و تــدخـــَّـــل الجيــران ، و أخــْــــوَة الــــزوجـــَــة مـــَــع الضيـــوف ، ليستــَــــفسروا عن السبب فسكت الرجل ، و نطقت الزوجة فقالت : إن َّ زَوْج هذه المرأة قد غضب عليها لأنها ذبـــَــــحــَــت خروفاً واحداً للضيوف ولماذا لم تـــُـــقــَــدّم عدة خرفان ، وهدأت العاصفة بين الجميع ، وقالوا : ما لكرم هذا الرجل ،فأنقذت نفسها ، وزوجها وإخوتها وضيوفها بدهائها ، وفراستها ، وفطنتها اللامحدودة ، والتي لا يمتلكها مئات الرجال ، وهنا نبدأ بسرد القصة الثانية أن شيخاً كبيراً مسناً ذهب إلى دائرة من الدوائر ، يـــريــــد أن يقابل المدير العام الدكتور الفلاني … و اجتاز عدة سيطرات حتى وصل إلى المحطة الأخيرة لاستقبال السيد المدير ،
فسأله السكرتير :
هل لك موعد مع المدير ،
فأجابه .. نعم .. !
فقال : و مـــَــــن ْ حـــَـــدّد لك الموعـــِــد ….؟
فقال : المدير نفسه ، فأنا قريبه ، ونحن من طبيعة عشيرتنا لا نأخذ المواعيد ، فندخل على كل مسؤول دون موعد ، إن كان لديه مجال نقابله وإن كان مشغولاً بأمر مهم ، نأتي في يوم آخر ، فالدولة أهم من مقابلـــتـــنـــا ،
و كان الزائر قد استـــخــْـــدم فراستـــَــه بأن المـــدير سيفهم الموضوع ، وهو إستخدم هذا من حسن نيته ، بأنه رجل كبير في السن ، و مثله دكتور يحمل شهادة أعلى من المدير ، ، و كان السكرتير رَجــــُـــلاً طـــَـــيــّـــباً ، مــــِـــفضالاً ، فدخل على المدير الدكتور وقال له : إن الشخص الفلاني الدكتور من أقربائك يريد مقابلتك ، ويقول المدير هو من أعطاني الموعد ،
فقال له المدير : أنا لـــَـــــم ْ أُعــــْـــطــــِــــه الموعــــِـــد ، فرجع السكرتير ، و أخبـَـــر الزائر بما حــَـــدَث ،
فقال له الزائر : قل لمديرك شكراً لكم ، و لا أريد أن أراه ،
و كلـــَّــما طلب السكرتير يا أستاذ إنتـــَــــظــــِـــر …!
فقال له :
لا أريده ، ولا أريد مقابلته ، جئنا للسلام عليه ، لا لنطلب منه شيئاً .
وهكذا كانت الفراسة بين الأمية البدوية الصحراوية ، والرجل المدير العام ، حامل الشهادة العالمية .