رائحةُ انتظارٍ لا ينتهي

مروان ياسين الدليمي

(82)

الريحُ تهمسُ لي
كأنها تعرفُ عن خيباتي أكثر مما أعرفها
تغسلُ وجهي برائحةِ غبارِ المدنِ المهجورة
وترسمُ على نافذتي خطوطًا من ضوءٍ مُشتّت
الضوءُ الذي يصرخُ بصمت
يختلطُ بالظلالِ حتى تفقدَ الكلماتُ معناها
وأنا أجلسُ هناك
أحاول أن أفكّ شيفرة هذا الصمت
أبحثُ عن معنى الشعر
في تلك اللحظاتِ التي يتحولُ فيها اللا معنى
إلى نبضٍ يتسلّلُ إلى العروقِ
كأنه سرٌّ مكتومٌ في جسدِ الوجود.

(83)

أحيانًا،
تبدو الكلماتُ كأنها أوراقُ شجرٍ تُسرقُ من خريفِ الذاكرة
تسقطُ بهدوءٍ
لكنها تحملُ رائحةَ خبزٍ محروق
رائحةَ انتظارٍ لا ينتهي
والأحجارُ هناك
ترقصُ على إيقاعِ صمتٍ قديم
تنفتحُ كعيونٍ لا ترى
وتتنفسُ كأنها قلبٌ ينبضُ بلا دماء.

أنا هنا،
أمسكُ بيدِ هذا الغموض
أحاولُ أن أقرأَ ما بين السطور
أبحثُ عن معنى الشعر
في لعبةِ الضوء والظل
في الحواسِ التي تخلطُ ما بين الرؤية والشم
بينَ السكونِ والضجيج
وأحيانًا
في السخرية التي تبتسمُ للحياة حتى وإن كانت تمزّقُها.

(84)

القصيدةُ ليست سوى نافذةٍ تفتّحُها الريح
تُطلُّ على عالمٍ لا يُرى
حيثُ تتحولُ الأشياءُ الجامدةُ إلى كائناتٍ تعانقُ الألمَ
والظلُّ ينسجُ حولي عباءةً من أسئلةٍ بلا أجوبة
الهواءُ يحملُ رائحةَ صدأِ الذكرياتِ
تُسكنُ بينَ أصابعي كما تسكنُ الذكرى بينَ القلوبِ المنكسرة.

أنا أبحثُ عن معنى الشعر
في تلك اللحظةِ التي تلتقي فيها البصرُ بالشمِّ
حين تتداخلُ الحواسُّ
ويرقصُ الغموضُ مع الوضوح
كأنهما عشيقانِ لا يُفترقان
يرسمانِ على جدارِ الوجودِ لوحةً لا يُفهمُ معناها
لكنَّها تهمسُ لنا بصمتٍ جميل.

(85)

الشعرُ ليس كلامًا يُقال
بل هو الخيطُ الرفيعُ الذي يربطُ بين الألمِ والفرح
بينَ صمتِ الحجرِ وهمسِ الريح
هو الحلمُ الذي يولدُ في فمِ الظلام
رائحةُ الأرضِ حين تبللها دموعُ السماء
هو الضوءُ الذي يُشرقُ في عتمةِ الكلمات
ويُحيلُ المعنى إلى نغمةٍ تتردّدُ في صدورنا
كأنّها سرُّ الحياةِ الذي لا يُقال.

أنا أسيرُ في هذه المسافة
أبحثُ عن معنى الشعر
بينَ الخطأِ والصوابِ
بينَ الحقيقةِ والوهم
بينَ ما يُرى وما يُشم
في رقصةٍ لا تنتهي
بينَ الضوءِ والظلّ
بينَ الحياةِ والموت.

*مقاطع من مجموعتي الشعرية ” أبحث عن الشعر ” اصدار 2025

قد يعجبك ايضا