د. ئاراس عبد الكريم درويش
نظراً لكون الأسرة نواة المجتمع فإن أي تهديد سيوجه نحوها -من خلال العنف الأسري- سيقود بالنهاية، إلى تهديد كيان المجتمع بأسره. هذه بعض آثار العنف ذكرتها باقتضاب.
ومما أود الإشارة إليه هو أن البعض يعتبر العنف مما دعا إليه الدين الإسلامي مبرراً العنف الذي يستخدمه حيال عائلته، ولكن كون الإسلام دعا إلى العنف لا نصيب لهذا القول من الصحة، فالدين الإسلامي هو الدين الذي ينبذ العنف بكافة أنواعه، وعلى جميع الأصعدة، وخصوصاً على صعيد الأسرة هذه المؤسسة التي حرص الدين الإسلامي أشد الحرص على حمايتها من الانهيار وذلك منذ كونها مشروعاً قيد الدرس، إلى حين صيرورتها كياناً قائماً.
إن ما دعا إليه الدين الإسلامي من التنبيه لا يعد في واقعه عنفاً، وإنما هو أسلوب علاجي يرمى من وراءه الحفاظ على كيان الأسرة، وحمايتها من الانهيار. ثم إن هذا التنبيه لم يترك الدين الإسلامي تقديره إلى الأب بحيث يكون عقابه وفق ما يراه هو، وبدون ضوابط وشروط، وإنما وضع الدين الإسلامي ضوابط وشروطاً لا يحق للأب أن يتخطاها وإلاّ كان مخالفاً للأحكام الشرعية.
– إن الهدف من التنبيه التي أقرها الدين الإسلامي إنما هو إيقاف المخطئ على خطئه، كي لا يعود لمثله، وليس الهدف من التنبيه هو الانتقام والتشفي من المعاقب -بالفتح.
– ضرورة تناسب التنبيه مع الخطأ المرتكب، فمن غير المنطقي أن يحرم الطفل من الطعام طيلة يوم كامل لمجرد مشيه حافياً مثلاً.
– ألا يكون التنبيه هو الخطوة الأولى التي يلجأ إليها في علاج الخطأ، وإنما يجب أن تسبقه مرحلة النصح ولفت النظر كلامياً حسب، فإن تكرر ذلك يمكن عندها اللجوء إلى التنبيه.
– ألا يقود التنبيه إلى المساس بكرامة من يعاقَب، كأن يعاقَب على مرأىً ومسمع من الآخرين، وإنما تراعى السرية في ذلك قدر الإمكان.
– الأمر الخامس والذي يعد من أهم الأمور على الإطلاق هو ضرورة تعريف الخطأ من الصواب، وإلاّ فمن غير المعقول تنبيه من لا يعرف الخطأ من الصواب.
– تنــــويـــع طبيعــــة التنبيه وعدم التركــــيز على نــوع واحـــد منه، مما قد يألفه من يعاقَب فـــلا يعــد يؤثر فيه.
– ضرورة نسيان الأخطاء السابقة المعاقب عليها وعدم التذكير بها.
و العنف الأسري من المنظور إسلامي لقد خلق الله تعالى آدم وخلق حواء من نفس واحدة وجعل أول مسكن اسري وبيت زوجي لهما (الجنة) ثم شاء الله تعالى وبعد صراع وغواية من الشيطان أن يهبطهما إلى الأرض حتى يعمراها وبنوهم بالعدل والخير وقد رعاهم الله بالرسالات السماوية عبر الأزمان وبدعوة الأنبياء والمرسلين التي قامت في المجتمعات الإنسانية حتى ختامها (القران الكريم) وبدعوة خاتم المرسلين (محمد) صلى الله عليه وسلم.
كل ذلك من سعادة الدنيا وسعادة الآخرة بعودتهم (الإنسانية) إلى الجنة إلا من زاغ عن الحق وحاد عن منهج السماء العادل. وانعم عليهما بالذرية (الأطفال) حتى تكتمل سعادتهم نعم وانحرفت البشرية عبر العصور في معظمها عن عدالة السماء وأوقعت كثيرا من الظلم على مجتمعاتها هنا وهناك، وكان من أبشع الظلم هو العنف الاجتماعي أو الأسري الذي نسف معاني المودة والسكينة والمحبة والرحمة داخل الأسرة الواحدة خلال ما أراد الله عز وجل:
((ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)). فألحق الأذى بالحياة الزوجية والأسرية وبخاصة الأطفال.
وصار هذا العنف الأسري ظاهرة بين سرية وعلنية، والعلني قليل أمام مالا يعلم وما يجري خفية تحت ستار العادات والتقاليد والأعراف والقوانين وكل ذلك خلافا للتوجيه الإسلامي والتشريع الإلهي والنور الرباني والعقل المستنير الإنساني.