الابتسامة التي أضعها على وجهي ليست لي وحدي

مروان ياسين الدليمي

1
أبتسم.
لكن داخلي يتفتت كزجاج قديم.
كأن ضحكتي ورق رقيق يغطي جرحًا لا يندمل.

جدتي تجلس قبالتي،
تغزل من أصابعها صمتًا أبيض يشبه الحليب.
أعرف أنها ترى ما لا أريد أن تراه،
لكنها تتظاهر بالانشغال في طيّ أطراف المائدة،
كما لو كانت تحجب عينيها عن ارتجاف يديّ.

الهواء في الغرفة يتلوى،
يشبه ظلًّا يتدرّب على الرقص فوق رماد.
رائحة الخبز الساخن تصعد كأغنية مترددة،
تذكرني بطفولتي،
حيث كان كل شيء طازجًا
إلا خوفي.

الابتسامة قناع.
والقناع ليس سوى جلد آخر يُقنع الجسد أنه بخير.
أنين داخلي يحاول أن يخرج،
لكنه يعود أدراجه
كحيوان بريّ يخشى الضوء.

في المرآة المعلقة على الجدار
أرى ابتسامتي تتضاعف،
ثم تتشقق،
ثم تتحول إلى غيمة سوداء
تطفو في سماء منخفضة.
كأن المِرآة تفضحني أمام نفسي،
بينما جدتي تبتسم ببراءة،
غير مدركة أنها تجلس تحت سماء مهددة بالمطر.

2
جدتي،
وجهك يطلّ من نافذة قديمة،
كأنك مدينة محاصرة تنتظر خبزًا وحياة.
بين يديك تاريخ لا يُروى،
يتشقق مثل جدار مهمل
تكتب فوقه الأجيال رسائل لم تصل.

أبتسم لك،
وفي داخلي تتصارع جيوش صغيرة،
أصوات أصدقاء رحلوا،
هتافات لم تكتمل،
وصدى خطوات تتردد في أزقة لا تنام.
كأنني لا أعيش حياتي وحدي،
بل أعيش هزائم الآخرين أيضًا.

أتذكر صورًا من جرائد قديمة،
وجوهًا غابت في الحروب،
أسماء تتكرر كأدعية مسنّة.
أنحني أمامك كطفل مذنب،
لكن ذاكرتي تنحني أمام موكب من العابرين،
يحملون حقائب مثقلة بالغبار.

بين يديك فنجان قهوة،
يتصاعد منه بخار مثل دخان معركة خاسرة.
وأنا أرى فيه خنادق،
وأسمع صهيل خيول مقطوعة الأنفاس.
الطعم مرّ،
لكنه يذكّرني أن الحياة لا تُشرب إلا مع العلقم.

حين تضحكين،
أشعر أن التاريخ يلين قليلًا،
كأن مدينتي الممزقة تستعيد ألوانها للحظة،
ثم تعود لتختفي في دخان كثيف.

الابتسامة التي أضعها على وجهي
ليست لي وحدي،
إنها تمثال نصبه قلبي في ساحة عامة،
كي لا ينهار كل شيء دفعة واحدة.

3
أضحك أمامك،
لكن الضحك ليس سوى حيلة كي أؤجل انهياري.
كأنني ممثل في مسرح بلا جمهور،
أكرر الدور نفسه،
وأنتِ وحدكِ تصفقين ببراءة لا تشبه شيئًا.

أشعر أن جسدي طاولة مائلة،
عليها يتدحرج الزمن ككؤوس نصف ممتلئة،
كؤوس تصطدم ببعضها،
تتناثر منها ذكريات مبتلة،
فتغرقني في ضجيج غير مرئي.

جدتي،
حين تلمسين وجهي،
أسمع صرير الأبواب التي أُغلقت منذ زمن،
وأرى الغبار يتراقص في الضوء
مثل أسراب صغيرة من الأسئلة.

أي ابتسامة تريدين؟
تلك التي تلمع كبرق قصير،
أم تلك التي تحاول أن تخدع الموت؟

إنني أتعلم منك سرّ السخرية:
كيف نضع الحياة في جيب معطوب،
ونمشي كأننا لا نخسر شيئًا.
أتعلم منك أن الوجع قد يرتدي ثوبًا أنيقًا،
ويجلس على مائدة العائلة متظاهرًا بالاحترام.

كل ما فيّ يضحك ويبكي في الوقت نفسه،
صوتي يشبه الريح وهي تطرق النوافذ،
لكنها لا تدخل.
صوتي يشبه حجرًا في فم بئر،
يسقط،
ثم لا يصل القاع.

أبتسم أمامك،
بينما داخلي يئن كقافلة ضائعة في الصحراء.
ورغم ذلك،
أرفع الكأس إلى فمي،
أشرب مرارة اللحظة،
وأقول: هذه الحياة،
مزحة ثقيلة،
لكنها على الأقل،
مزحة.

قد يعجبك ايضا