محمد علي محيي الدين
في ناحية الإمام، تلك المدينة الوادعة التي تنام على كتف نهر وتستيقظ على صوت المؤذن ورفيف السنابل، وُلد الشاعر محمد نجم عبيد الوائلي في العشرين من أيار عام 1958، ليحمل من المكان سكونه وحنينه، ومن الزمان شقاءه وأحلامه. هناك، بين البساتين والأدعية، تشكّلت نواة شاعرٍ سيكون لاحقًا صوتًا آخر من أصوات الجنوب العراقي، الناهض من رماد الصمت والمتكئ على ناي الكلمات.
لم يكن الشعر أولى خطواته، بل كانت الحياة، بتعرجاتها ومسالكها الضيقة. درس في مدينته، ثم شق طريقه نحو معهد المهن الصحية في بغداد، ليتخرج منه عام 1979 حاملاً دبلومه ومعه قلبٌ يتقن الإنصات للوجع البشري. عين معاونًا طبيًا في وزارة الصحة، وكان أن بدأ يصغي للألم كما يصغي الشاعر لنبض القصيدة، فكانت كل جملة يسمعها من مريض، وكل تنهيدة في رواق المستشفى، جزءًا من قصيدته القادمة.
لكنه لم يكتفِ، فواصل دراسته بعد عقود، وكأنه يأبى أن يترك للزمن أن يشيخ فيه، فتحصل على شهادة البكالوريوس من قسم اللغة العربية في جامعة بابل عام 2014. تلك العودة لم تكن بحثًا عن لقب أو شهادة، بل كانت رجوعًا إلى الجذر، إلى المعنى، إلى لغة وجد فيها نفسه ومصيره.

محمد نجم الوائلي شاعر يعرف كيف يصوغ من تفاصيل الحياة قصيدةً لها طعم الرماد وعطر البرتقال. في مجموعاته الشعرية التي صدرت عن دار الصواف – (أراجيح الأقحوان)، (نزهة التائقين)، (أغنيات على ضفاف الناي)، و(أبجدية الدخان) – نلمح روحًا هائمة، تكتب لا لتُظهر مهارة فنية بقدر ما تعبّر عن اختناق وجداني، وعن إحساس عميق بعطب العالم.
تجربته الشعرية تغيب بين الوجداني والصوفي، بين الواقعي والرمزي، كأنها مرآة تهتز على صفحة نهر المحاويل؛ لا تعكس الصورة فقط، بل تفتح أبواب التأويل. لغته ناعمة حينًا، وعاصفة حينًا آخر، تحمل مسحة من حزن الجنوب العراقي، حيث الشعر ليس ترفًا، بل ضرورة.
وقد نالت قصائده ما تستحقه من تقدير في بعض المحافل الثقافية، ففاز في مسابقة الجود العالمية بقصيدة عن أبي الفضل العباس (عليه السلام)، وهي قصيدة تميزت بجرأتها العاطفية، وقدرتها على التقاط القداسة من خلال المفردة الطرية، كما فاز في مسابقة أخرى عن مشهد رد الشمس للسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وهي قصائد تجمع بين التصوف والرمزية، وتكشف عن شاعر يتقن الإصغاء للتراث لا كمن يكرر بل كمن يشتق المعجزة من الحاضر.
في المشهد الثقافي البابلي، الوائلي ليس مجرد اسم، بل حضور دائم، فهو عضو فاعل في اتحاد الأدباء والكتّاب في بابل، وجمعية الرواد الثقافية، ومنتدى المحاويل، يقرأ ويشارك وينشر قصائده في الصحف العراقية والعربية، بصوت هادئ لا يستعرض، بل يستدرج القارئ إلى فسحةٍ من التأمل.
الناقدون الذين كتبوا عن شعره، وإن قلّ عددهم، أجمعوا على حساسيته العالية، وعلى ميله إلى التصوير اللغوي الكثيف، وعلى احتفاظه بنبرة وجدانية قريبة من المتلقي. إنه شاعر لا يجرّب لمجرد التجريب، بل يغوص في مجازاته بحذر المتصوف، وهو يصوغ من الحنين لغزًا، ومن الجمال أغنية شاحبة.
قال أحد النقاد عنه ذات أمسية: (شعر محمد نجم الوائلي يُقرأ كما تُقرأ الرسائل القديمة: ببطء، بامتنان، وبلذعة في القلب)، وهو وصف صادق لشاعرٍ لا يلهث خلف صيتٍ عابر، بل يكتب كما يتنفس، وكأن الشعر، لديه، محاولة نبيلة للتصالح مع الحياة، لا للهرب منها.
هكذا ظل الوائلي، حتى هذه اللحظة، وفيًّا للكلمة، للقصيدة، للمعنى. لا يرمي قافيته في ضجيج المدن، بل يزرعها على ضفاف نهر المحاويل، لعل طفلاً أو شيخًا يمر بها، فيبتسم.