الحجر يهمس لي

مروان ياسين الدليمي

(67)

القصيدة لا تعترف بالقواعد،
تخرج العسل من الحنظل ،
وتجعل من السعال أغنية.

تقول لي:

(لا تصدّقهم، البلاغةُ فخٌّ نصبه العاجزون عن الحيرة،
أمّا أنت، فاختر لنفسك طريقًا من الطين، وسمِّه المعنى).
فأكتبُ كما يشهق الناجون،
مرتبكًا،
مقطوعَ النفس،
وأخبّئ كلّ فرحي في مجازٍ متوحّش،
ينبح على المعنى ولا يعضّه

(68)

إن كان عليّ أن أشرح الشعر، سأقول :
هو ما يحدث في اللحظة التي ينكسر فيها شيء بداخلك
ولا تسمع له صوتًا.
هو الفراغ الذي تتركه جملة
مرّت عليك ذات مساء
في كتابٍ لم تقرأه كاملًا،
لكنك ما زلت تتذكّر أنها غيّرت طريقةَ وقوفك في المطبخ.
هو أثرٌ لا يُرى،
لكنّه يبقى .

(74)

الشعرُ يسكن في الأشياء الصغيرة،
في طقطقة حبات المطر على النوافذ،
في خفقة أجنحة الطير الذي لا يصل إلى العش،
في همس الغصون حين تلامسها الريح،
وفي صمت المدينة بعد أن ينام الجميع.
هو حياةُ الأشياء الجامدة،
تتنفسُ
وتتحركُ
كما لو كانت تعرف أنّها ليست وحدها في هذا الكون،
وأنّها تحكي قصةً لا يفهمها إلا من يتوقف عن السؤال.

(75)

في قصيدتي،
الزمنُ يشبهُ ساعةً مكسورة،
لا تدورُ،
لكنه يصرخُ بصوتِ صدى بعيد،
يروي حكايةَ انتظارٍ لا يكتبُ له الانتهاء.
والحروفُ تتراقصُ حول هذا الصمت،
تلبسُ ثوبَ الغموض،
وتضحكُ بسخريةٍ مريرة،
لأنها تعرفُ أن المعنى هو طيفٌ يهربُ من كل محاولةٍ للإمساك به.

(76)

أنا أسير في بُركان الكلمات،
حيث الصخور تنبضُ كقلوبٍ خائفة،
والأشجارُ تتنفسُ عبر الجذوع،
تطلقُ رائحةَ الأرضِ القديمةِ
كما لو أن التراب يُمسكُ بأيدي الحكاياتِ المهجورة.
الظلُّ يصرخُ بصمتٍ مسموع،
والنهرُ لا يجري،
بل يسيرُ متثاقلاً،
يحملُ معهُ همسَ أسماكٍ نائمةٍ في عينيه الواسعتين،
يبحثُ عن معنى الشعر،
في مرآةٍ تُعانقُ العتمةَ بعيون مفتوحةٍ على الخوف.

(77)

أحيانًا،
أشعرُ أنَّ الكلماتِ كأوراقِ الخريف،
تتساقطُ ببطءٍ حزين،
لكنها تُصدرُ رائحةَ كآبةٍ تُشبهُ الفجرَ القاسي،
رائحةَ حديدٍ مسكوبٍ في سقيعِ الصمت،
وكأنّ الألوانَ اختنقتْ في عبقِ شيءٍ لم يولد.
الحجرُ يهمسُ لي،
يحكي عن زمنٍ كان فيه ثابتًا،
والآن يتلوى،
يتلوى كما تتلوى الأشباحُ حين تُكشِفُ عن وجوهها،
هو يبحثُ مثلي عن معنى الشعر،
لكنّه لا يجدُ سوى صدى غريبٍ بين ضلوعه.

*مقاطع من مجموعتي الشعرية ” أبحث عن الشعر ” اصدار 2025

قد يعجبك ايضا