لم يعد الحديث عن أزمة مالية في العراق مجرد توقعاتأو تحذيرات نظرية، بل أصبح واقعاً معاشاً بأدقتفاصيله اليومية. فالدولة التي اعتادت أن تغطيالتزاماتها اعتماداً على ريع النفط، تجد نفسها اليوممكشوفة تماماً أمام شعبها: خزينة شبه فارغة، إيراداتتذوب في بند الرواتب، وأجهزة حكومية عاجزة عن دفعالاستحقاقات في مواعيدها. هذا الواقع يعني أنالعراق لا يقف عند حافة الإفلاس فحسب، بل يعيشأعراضه المباشرة.
وإذا كان العراقيون قد خبروا مشاهد تأخر الرواتبفي سنوات سابقة، مثل أزمة 2020 حين انهارتأسعار النفط، فإن تكرار الصورة اليوم يكشف أنالمشكلة لم تُعالج جذرياً. فما بين الموازنات الثلاثيةالمثقلة بالإنفاق، وسياسات التوظيف الواسع التيجعلت أكثر من نصف القوى العاملة معتمدة علىالدولة، أصبح العجز نتيجة حتمية مع أي خلل في تدفقالعائدات.
في هذا السياق، نشر السياسي العراقي حامد السيدمؤشرات وصفها بأنها لا تأتي من “جهات معاديةللنظام“، بل من داخل الحكومة العراقية نفسها. فإجمالي الرواتب المدفوعة بأنواعها كافة للنصف الأولمن عام 2025 بلغ 44.946 تريليون دينار، فيما وصلإجمالي صادرات النفط الخام إلى 45.283 تريليوندينار، بنسبة تغطية بلغت %99.2. هذه الأرقام تكشفأن الصادرات النفطية تكاد تذهب بالكامل إلى تغطيةالرواتب، دون أن تترك للحكومة أي مجال للتحرك فيملفات الاستثمار أو الخدمات أو التنمية، وهو ما دفعالسيد إلى التحذير الصريح: “الخزينة فرغت.. شدواأحزمتكم زين.. الإفلاس قادم“.
تحليل هذه المعطيات يشير، وفق مختصين، إلى أنالموازنة الثلاثية التي أُقرت بأرقام ضخمة لم تعد تملكغطاءً فعلياً سوى أسعار النفط. فأي هبوط في السوقالعالمية – ولو بمقدار بضعة دولارات للبرميل – يكفيلخلخلة التوازن المالي وتعطيل بند الرواتب ذاته، الذييُفترض أن يكون أكثر البنود حصانة. والمفارقة أن حتىفي ظل أسعار مستقرة نسبياً، تكاد العوائد تذوببالكامل في سد أجور الموظفين والمتقاعدين، وهو مايجعل الدولة عاجزة عن الإيفاء بوعودها الاستثمارية.
الانعكاسات الاجتماعية لهذه الأزمة بدت واضحة خلالالأشهر الماضية؛ فالمتقاعدون وجدوا أنفسهم في قلبالمعاناة بعد تأخر صرف رواتبهم لأيام طويلة، لتتحولالمسألة من أزمة مالية مجردة إلى مأساة إنسانيةتعصف بأكثر الفئات هشاشة. ويؤكد محللون أن هذهالمشاهد لم تعد مؤشرات ظرفية، بل علامات بنيوية علىدخول العراق مرحلة “الإفلاس الواقعي” الذي يتجلىفي العجز عن أداء أبسط الالتزامات تجاه المواطنين.
إن ما تكشفه هذه الأرقام يتجاوز مجرد خلل مالي،ليؤكد أن العراق يواجه أزمة بنيوية متراكمة : اقتصادريعي معتمد كلياً على النفط، موازنات مثقلة بالتوظيفوالإنفاق الجاري، ونظام مالي هش عاجز عن بناءاحتياطيات كافية لتأمين الاستقرار. والنتيجة أنالخزينة لم تعد تحتمل صدمات السوق، وأي تراجع فيالصادرات أو الأسعار سيعني مزيداً من الاختناق.
الخروج من هذه الحلقة يتطلب، بحسب مختصين،مقاربات جذرية تبدأ بتقليص النفقات الجارية عبرإصلاح ملف الرواتب والدعم، وتنويع الإيرادات منخلال تنشيط القطاعات الإنتاجية كالزراعة والصناعةوالخدمات، فضلاً عن بناء صندوق سيادي يحفظالفوائض في سنوات الوفرة ليوازن العجز في سنواتالشح. ومن دون هذه الإجراءات، سيبقى العراق عالقاًفي دوامة “الإفلاس المعلن“، حيث كل رواتب موظفيهومتقاعديه مرهونة ببرميل نفط واحد، وكل أزمة فيالسوق العالمية تتحول إلى كارثة محلية.