هيام حاجی احمد_ باحثة في الشؤون السياسية الكوردية ومتخصصة في التاريخ الحديث والمعاصر
منذ عام 2005، يتناوب الكورد على سدة الرئاسة السيادية في العراق عبر عهود ممتدة من جلال طالباني إلى عبد اللطيف رشيد، في استثمار لـصلاحيات دستورية صُمِّمت لتكون المكمّل العضوي والظهير الحامي لمنصب رئاسة إقليم كوردستان. لقد رُسم للرئاستين قانونياً أن تؤلفا جناحي طائر واحد، يحمي أولهما الحصن الداخلي في أربيل، ويتحول ثانيهما في بغداد إلى درع دستوري يقصم القرارات التعسفية، غير أن العهود اللاحقة لرحيل “مام جلال” فرطت في هذه الفرصة العظيمة التي كانت كفيلة بتقوية الإقليم؛ فبينما يجهل الخصوم والتابعون الوزن الإستراتيجي لهذا المقعد، كان ينبغي توظيفه كمنصة هجومية ودفاعية مضادة تسلّح الإقليم بالقانون، تماماً كما تبحث بغداد اليوم عن أدق الثغرات والبدائل التشريعية لمسك الإقليم وتطويقه، لكن شاغلي المنصب آثروا الارتضاء بكراسٍ عاجزة أسقطت الرمزية السيادية في فخ التبعية الصامتة، ليصدمنا اليوم هذا السؤال الوجودي: ماذا جنينا من منصب سيادي بات بلا مخالب ولا أثر؟
إن التدقيق في معادلة التواقيع العاجزة يكشف حقيقة مؤلمة، خصوصاً وأن الفضائيات تكشف اليوم ملفات الفساد علناً بالأرقام والأسماء لطاقم رئيس الوزراء ومستشاريه وحتى وزيرة المالية، معلنةً الإطاحة بحيتان المال العام وسط هدر اقتصادي استنزف البلاد عبر مشاريع وهمية ومناقصات مشبوهة مرّت بمباركة صمت الرئاسة. أين رئيس الدولة وسلطته وهيبته الدستورية أمام هذا الطوفان من الفساد الممنهج لشركاء الحكم؟! فلو كان هذا الكرسي يشغله رجل مناسب، لعرف كيف يجعله منصباً نشطاً وفاعلاً يستند إلى الدستور لحماية الشعب العراقي عامة والكورد خاصة، ولأدركت بغداد خطورة هذا السلاح القانوني ولما تركته بيد الكورد أصلاً لو أن شاغليه تفعّلوا بدورهم الحقيقي؛ لكن رئيس الجمهورية تذرع بالعجز عن كبح المليشيات الطائفية الحاكمة في العاصمة، وإن عجز عن منع تلك الحيتان بسبب قوتهم وهيمنتهم السياسية، فقد كان يستطيع على الأقل أن يقارن ويقول: “إن كان في الإقليم فساد فانظروا إلى الفساد الحقيقي لديكم”، ولكان واجه المحكمة الاتحادية بدلائل أكبر وأنقذ الإقليم من تلك التهم ودافع عنها صارخاً في وجههم: “يجب أن تقطعوا رواتب تلك المحافظات أيضاً إن كنتم تزعمون النزاهة”.
وبدلاً من استخدام تلك الفضائح المدوية كأوراق ضغط لفك خناق الإقليم، وقف موقف المتفرج والبساط يُسحب من تحت أقدام أهله، مصادقاً على تطويق لقمة عيش المواطن بحجة “تطبيق القانون”. والغريب الصادم هنا، أن من جلس على هذا الكرسي كان يمثل أحد أكبر التيارات المعارضة لحكومة الإقليم، فتبنى رواية العاصمة بالكامل وأخذ يُلقي بتبعات أزمة الرواتب، والنفط، والإيرادات كافة على كاهل أربيل، متناسياً بعجزٍ فاضح أن وزنه الدستوري في بغداد وُجد أساساً لتهدئة الأوضاع وانتزاع لقمة العيش لشعب الإقليم، وبدلاً من ذلك، انبرى يحرض الشارع الكوردي ضد حكومة إقليمه، متناسياً منصبه وصلاحياته الدستورية التي توجب عليه التحرك في بغداد لإنقاذ أهله، حيث تحول المنصب في نظره إلى مجرد “وظيفة” ومكسب شخصي وتجرد من ثوب القضية التي أُرسل للدفاع عنها. فكيف للشعب ألا يلوم رئيساً غاب وقت الضيق وتنكر لأوجاعه؟ ليبقى التساؤل القانوني والأكاديمي معلقاً: من الذي خذل وأهمل قضية الشعب أكثر: هذا الكرسي الذي مات إكلينيكياً قبل ولادته في بغداد أم حكومة الإقليم؟
وعلى متن هذا النفق المظلم، تبلغ السخرية السوداء ذروتها حين يُطرح اسم رئيسٍ عجز عن تأمين قوت أهله كمرشح لقيادة الأمم وإدارة شؤون الكوكب، فالإدارة الحقيقية تبدأ من إنقاذ البيت أولاً. إن تاريخ الكراسي لا يقاس بسنوات شغلها بل بحجم درعها القومي، ولذا فإن العبور المستقبلي لهذا المنصب مرهون بشجاعة إشهار “الفيتو الدستوري” ضد تجويع كوردستان، وتقديم الهوية القومية على الصفقات الحزبية، مع امتلاك جرأة الاستقالة والمكاشفة، فالرئاسة التي لا تحمي خبز شعبها في وقت الأزمات، ليست سوى قناع شرعي لحصار ممنهج.