د . صباح ايليا القس
الخير والشر من الثنائيات المعروفة والشائعة في الاستعمال اليومي والادبي وهناك الكثير من الثنائيات التي يصعب حصرها مثل الحر والبرد والليل والنهار والابيض والاسود والسلام والحرب اذ يستطيع اي عاقل ان يضيف الى هذه الثنائيات ما يريد .
كل الثنائيات هي نتيجة الابداع العقلي الاستنتاجي المرتبط بالطبيعة البشرية ومنبعها الروح الاشراقية لاسيما نحن البشر الذين اعتدنا على حب الذات الذي ادى الى الغدر والقتل والاستحواذ على ما عند الآخرين ..
الحياة تقوم على المصالح الفردية ولاحقا الاجتماعية وقليل من يبحث عن حقوق الاخرين اذ على الاغلب يقدم حقوقه ومصالحه حتى لو كانت على حساب ظلم الاخرين وسلب الحرية ما يؤدي الى الضرر العام .
من أجل هذا صار هناك صدام بين الاخيار والاشرار لاسيما بعد ظهور الاديان والتزام بعض الناس بتلك القوانين الربانية التي تجاوز على حدودها احيانا الاشرار فعادت الثنائية بشكل جديد مثل المفسدون والصالحون والمعتدون والمسالمون والفجار والزهاد .
ومع الاسف سادت في كثير من الاحيان رجالات الفساد بل وطغت في حين كان اصحاب الفضائل قلة لكن كانت لهم الغلبة في المقام واصحاب الفضائل هم العقلاء والفضلاء والفلاسفة والعلماء واصحاب المقامات الدينية الذين على ايديهم نشط الوعظ والارشاد بالضد من اصحاب الفساد .
وخَلاصا من الشرور والمفاسد توجه بعض الناس الى التزهد بالعيش والتزهد بالملبس والمأكل والانصراف الى العزلة والتديُّن والكفاف والتقوى واداء الفروض والدعوة الى الخير ونبذ الشر ..
كان الاسقف المسيحي ورقة بن نوفل من اوائل من دعا الى الزهد وقال ناضحاً :
لقد نصحت لأقوام وقلت لهم انا النذير فلا يغرركمُأحـــدُ
لا تعبدنَّ إلهاً غير خالقكـــم فإنْ دعوتم فقولوا بيننا حَدَدُ
وفي العصر الجاهلي كانت الحكمة وسيلة او غرضا شعريا يشتمل على كثير من الزهد وهناك كتاب للاخالدكتور ابراهيم علي شكر عن شعر الحكمة في العصر الجاهلي وفيه امثلة كثيرة عن الزهد .
اما في عصر الاسلام فكان شعر الزهد حاضرا في الحياة الاسلامية الاولى لاسيما بعد ان اطلع المؤمنون على القوانين الالهية والتشريعات الدينية وتعرفوا يقينا على مواضع الخير والشر والخوف من الحياة الاخرة وصار البحث عن الجنة وسيلة للنجاة والخلاص من النار عن طريق التطهير لان الحياة الآخرة طويلة وحياة الدنيا قصيرة والموت آخرها .
كان العصر الاسلامي حتى نهاية العصر الاموي يشتمل على الزهد ايضا على الرغم من قلة العدد وذلك لشيوع الترف والبذخ والاتصال مع الاقوام الاخرى وحضور السبايا ومصاهرة حضارات اخرى كانت على مستوى متقدم من الترف واللهو والعبث لكن لا يخلو الامر من ادباء وشعراء كانوا يخشون عذابات الموت والقبر بل والالتزام الديني والابتعاد عن الملذات الدنيوية وطلب الآخرة عن طريق الصيام والقيام والتأمل والكفاف لكي يحشروا مع الصدّيقينَ والعابدين القانتين.
كان العصر العباسي يشتمل على النقيضين فهناك اصحاب الفسق والمجون وهناك اصحاب الزهد والتقى وهنا تظهر الثنائيات بشكل فاضح واضح اذ توسعت الدولة العباسية وغطت الشرق والغرب وصارت الاموال كثيرة حتى امتلأت الخزائن وتداخل الناس من شرق وغرب وتداخلت الثقافات وزاد عدد الجواري والغلمان وانتشرت الحانات وسوق الرقيق والعبيد وغرق بعض الخلفاء ورجال الدولة من وزراء وقادة في حب العبث وساعدهم على ذلك بعض الشعراء والادباء والنخاسين الذين يعرضون عليهم الجميلات فامتلأت قصور الخلفاء بالجواري والغلمان وهكذا فسد الانسان وكان لابد من العنصر المضاد فكان الزهد هو الرد الحاسم على طغيان الفساد وكان الشاعر ابو العتاهية من اصحاب شعر الزهد والابتعاد عن الملذات الفانية .