قراءة نقدية في رواية «مدينتان ونصف وطن… في زمن النزوح» للروائي ماهين شيخاني

جواد ملكشاهي

في السنوات الأخيرة، فرضت الحروب والهجرات القسرية حضورها على الرواية الكوردية، لكن الأعمال التي استطاعت تحويل المأساة إلى أدب حقيقي بقيت قليلة. ومن بين هذه الأعمال تبرز رواية «مدينتان ونصف وطن… في زمن النزوح» للروائي الكوردي ماهين شيخاني، بوصفها نصًا يوازن بين صدق الشهادة وجمالية السرد، ويعيد صياغة تجربة النزوح بوصفها سؤالًا وجوديًا أكثر منها حدثًا سياسيًا.

منذ العنوان، يعلن الكاتب مشروعه السردي. فـ«مدينتان» ليستا مجرد فضاءين جغرافيين، بل عالمان نفسيان يتقاسمان ذاكرة البطل؛ الدرباسية التي تمثل الجذر الأول، وهولير التي تتحول إلى محطة انتظار طويلة. أما عبارة «نصف وطن» فهي ليست توصيفًا جغرافيًا، وإنما استعارة وجودية مكثفة، تشير إلى إنسان يعيش بنصف ذاكرة ونصف حياة، فيما بقي نصفه الآخر معلقًا خلف الحدود.

يعتمد الكاتب على ضمير المتكلم، وهو خيار يضع القارئ في قلب التجربة الإنسانية. فلا يبدو الراوي بطلاً استثنائيًا، وإنما أبٌ يخشى على أطفاله، وزوجٌ يطارد الأمان، وإنسانٌ يحاول أن يحافظ على كرامته وسط عالم ينهار من حوله. هذه البساطة في بناء الشخصية تمنح الرواية قوة تأثيرها، لأن البطولة هنا ليست في الانتصار، بل في القدرة على الاستمرار.

وتتميز الرواية بأن الحرب فيها لا تظهر بوصفها معارك وأسلحة فقط، بل بوصفها أثرًا نفسيًا عميقًا يتسلل إلى تفاصيل الحياة اليومية. فالخبز، والطريق، والبيت، والحقيبة، والطفل، والمقعد في الحديقة، جميعها تتحول إلى علامات سردية تكتسب دلالات جديدة تحت وطأة النزوح. وهنا ينجح الكاتب في تحويل التفاصيل الصغيرة إلى مرايا تعكس حجم الكارثة الإنسانية.

أما المكان، فهو أحد أهم عناصر البناء الفني. فالدرباسية ليست مجرد مدينة مهددة بالحرب، وإنما ذاكرة كاملة، بينما تبدو هولير مكانًا آمنًا من الخارج، لكنه لا يستطيع أن يمنح النازح إحساس الوطن. وهكذا تتحول الأمكنة إلى شخصيات حية، تتكلم وتصمت وتحزن مثل البشر.

لغويًا، تميل الرواية إلى الوضوح والاقتصاد، مبتعدة عن الزخرفة البلاغية. غير أن هذا الوضوح لا يلغي حضور الشعرية، بل يجعلها تنبع من صدق التجربة نفسها. فالصورة الأدبية لا تأتي بقصد الإبهار، وإنما تولد طبيعيًا من رحم المعاناة، وهو ما يمنح النص حرارة إنسانية واضحة.

وتحسب للرواية أيضًا قدرتها على تجاوز الخطاب الأيديولوجي. فهي لا تنشغل بتوزيع الاتهامات بقدر انشغالها بالإنسان الذي وجد نفسه فجأة خارج بيته، يحمل ذاكرته على كتفيه، ويحاول أن يقنع أطفاله بأن الغد سيكون أفضل، بينما هو نفسه لا يعرف إلى أين يقوده الطريق.

ومع ذلك، فإن الرواية كانت ستزداد إحكامًا لو خففت في بعض المواضع من النزعة التوثيقية المباشرة، إذ يميل السرد أحيانًا إلى تسجيل الوقائع التاريخية بتفاصيلها، وهو ما يقترب من لغة الشهادة أكثر من لغة الرواية. لكن هذه السمة تبدو مفهومة في نص يستند إلى تجربة واقعية عاشها الكاتب بنفسه، حيث تتداخل حدود السيرة الذاتية مع التخييل الروائي.

إن القيمة الكبرى لهذا العمل لا تكمن في رواية أحداث النزوح فحسب، بل في قدرته على إعادة الاعتبار للإنسان العادي، ذلك الذي لا تذكره نشرات الأخبار، لكنه يحمل العبء الأكبر للحروب. ومن هنا تتحول الكتابة إلى فعل مقاومة للنسيان، وإلى محاولة لإنقاذ الذاكرة من الضياع.

في النهاية، يمكن القول إن «مدينتان ونصف وطن… في زمن النزوح» ليست رواية عن الحرب فقط، بل رواية عن الإنسان حين يُجبر على إعادة تعريف الوطن، والبيت، والكرامة، والأمل. وهي تضيف صوتًا صادقًا إلى أدب النزوح الكوردي، وتؤكد أن الرواية ما تزال قادرة على أن تكون وثيقة جمالية تحفظ ما تعجز السياسة عن حفظه، وأن تمنح الضحايا أسماءً ووجوهًا بعد أن حاولت الحروب تحويلهم إلى أرقام.

قد يعجبك ايضا