رسالة إلى الزعيم الخالد قاضي محمد أول رئيس لجمهورية كردستان في العصر الحديث

عطا شميراني

سيدي الرئيس…

ثمانون عامًا مضت على وقوفك فوق منصة الشهادة، ومع ذلك لم يستطع الزمن أن ينزل راية كردستان من ذاكرة الكرد. لقد شنقوك، لكنهم أيقظوا أمة. وأرادوا أن يدفنوا حلم شعبٍ كامل مع جسدك، فإذا بذلك الحلم يتحول إلى شعلةٍ أضاءت وجدان أجيالٍ لم تولد بعد. ظنوا أن حبل المشنقة سيغلق صفحة التاريخ، لكنه فتح صفحةً جديدة، كُتبت بحبر الكرامة ودم الشهداء.

لا أعلم إن كانت الرسائل تصل إلى الذين يصنعون التاريخ، أم أن التاريخ نفسه يحملها إليهم. لكنني أعلم أن هناك رجالًا لا يموتون، لأن الأمم تحفظ أسماءهم كما تحفظ الجبال قممها، وكما تحفظ الأنهار منابعها. وأنت، يا قاضي محمد، لم تعد مجرد رئيسٍ عاش مرحلةً من الزمن، بل أصبحت ضميرًا حيًا يسكن ذاكرة الكرد، ورمزًا تجاوز حدود المكان والزمان.

في الثاني والعشرين من كانون الثاني عام 1946، لم تُعلن في مدينة مهاباد ولادة جمهورية فحسب، بل وُلد لأول مرة في العصر الحديث حلمٌ كردي تجسد في دولة. لأول مرة شعر ملايين الكرد أن لغتهم يمكن أن تكون لغةً رسمية، وأن علمهم يستطيع أن يرفرف فوق أرضهم، وأن الهوية التي حوربت طويلًا يمكن أن تصبح أساسًا لكيانٍ سياسي يعبر عنها.

صحيح أن جمهوريتك لم تعش سوى أشهر قليلة، لكنها تركت أثرًا لم تستطع ثمانون سنة أن تمحوه. فالدول لا تُقاس بطول عمرها، بل بما تزرعه في وعي الشعوب. وكم من إمبراطوريات امتدت قرونًا ثم اختفت من الذاكرة، بينما بقيت مهاباد حاضرةً في قلب كل كردي، لأنها لم تكن مجرد سلطة، بل كانت فكرةً، وكانت إيمانًا بأن الحرية تستحق أن يُدفع ثمنها.

كنت تعلم، يا سيدي، أن السياسة الدولية لا تبنى على الأخلاق وحدها، وأن مصالح الدول أكبر من وعودها. كنت تعلم أن القوى الكبرى قد تدعم اليوم، ثم تتخلى غدًا، وأن خرائط المنطقة تُرسم بالحسابات لا بالعواطف. ومع ذلك، لم تسمح لليأس أن ينتصر على الإيمان، ولم تمنعك قسوة الواقع من أن تمنح شعبك حق الحلم.

وحين تبدلت موازين القوى، وانسحب الحلفاء، وتركت جمهورية كردستان تواجه مصيرها وحدها، كان بإمكانك أن تختار النجاة، وأن تغادر كما غادر كثيرون عبر التاريخ. لكنك رفضت أن تترك شعبك، لأنك كنت تؤمن أن القائد الحقيقي لا يهرب حين تقترب العاصفة، بل يقف في مقدمة الصفوف، ويتحمل مسؤولية قراره حتى النهاية.

وفي صباح الحادي والثلاثين من آذار عام 1947، حين وقفت أمام المشنقة في ساحة جارجرا، لم تكن تقف كرجلٍ ينتظر الموت، بل كرئيسٍ يحمل كرامة أمةٍ بأكملها. كان جسدك تحت حبل الإعدام، لكن روحك كانت تحلق فوق جبال كردستان. أرادوا أن تكون المشنقة نهاية جمهورية كردستان، لكنهم لم يفهموا أن الأفكار لا تُشنق، وأن الأوطان لا تموت بإعدام قادتها.

سيدي…

لقد تغير الشرق الأوسط كثيرًا منذ ذلك اليوم. سقطت أنظمة، وانهارت جمهوريات، وتبدلت التحالفات، ورُسمت خرائط جديدة، وتغيرت موازين القوى مراتٍ لا تُحصى. لكن شيئًا واحدًا بقي ثابتًا؛ أن القضية الكردية ما زالت تبحث عن العدالة، وأن الشعب الذي حلمت له بالحرية ما زال متمسكًا بلغته، وهويته، وثقافته، وأرضه، رغم الحروب، والأنفال، وحلبجة، والتهجير، وكل محاولات محو الوجود.

لقد علمتنا أن الحرية لا تُمنح هدية، بل تُنتزع بالإرادة والعمل والصبر. وعلمتنا أن أخطر ما يهدد الأمم ليس قوة خصومها، بل انقسام أبنائها. ولذلك، فإن الوفاء الحقيقي لك لا يكون في الاحتفال بذكرى مهاباد مرةً كل عام، ولا في تكرار الكلمات الرنانة، وإنما في بناء مجتمعٍ قوي، ومؤسساتٍ عادلة، ووحدةٍ كردية تجعل من اختلافاتنا مصدرًا للقوة، لا سببًا للفرقة.

نحن اليوم لا نحتاج إلى البكاء على الماضي، بل إلى استعادة روحه. نحتاج إلى شجاعتك في اتخاذ القرار، وإلى حكمتك في إدارة الخلاف، وإلى إيمانك بأن الكرد، مهما اشتدت المحن، يستحقون مستقبلًا أفضل. فالأمم العظيمة لا تعيش على ذكريات انتصاراتها أو هزائمها، بل على قدرتها على تحويل التاريخ إلى طاقةٍ تبني بها الغد.

سيدي الرئيس…

إن الأجيال التي لم ترَ مهاباد تعرفها من خلال اسمك. والطفل الكردي الذي لم يعش تلك الأيام، يرى في صورتك رجلًا لم يبع وطنه، ولم يساوم على كرامة شعبه، ولم يستبدل المجد بالحياة. وهذه هي أعظم انتصاراتك؛ فقد خرجت من حدود السياسة، ودخلت إلى ذاكرة الأمة، وتحولت من رئيس جمهورية إلى رمزٍ خالد.

ومن قلب كردستان، نعاهدك اليوم أن تبقى جمهورية كردستان في مهاباد حيّة في ضميرنا، لا بوصفها قصةً من الماضي، بل مشروعًا لم يكتمل بعد. نعاهدك أن نحمل الراية التي رفعتها، وأن نحمي لغتنا وثقافتنا، وأن نجعل وحدتنا مصدر قوتنا، وأن نبني الإنسان الكردي بالعلم، كما نبنيه بالإيمان بقضيته.

نعلم أن الطريق لن يكون سهلًا، كما لم يكن طريقك سهلًا. وستبقى السياسة مليئة بالمصالح، وستبقى المنطقة حبلى بالتحديات، لكننا تعلمنا منك أن الرايات قد تنحني أمام العاصفة، لكنها لا تسقط ما دام هناك من يحملها بإخلاص.

سيدي… نم بسلام.

فالمشنقة لم تستطع أن تنهي حلمك، بل حفظته للأجيال. وما زال اسمك يُكتب في قلوب الكرد قبل أن يُكتب في كتب التاريخ. نعاهدك أن نبقى أوفياء للطريق الذي رسمته بدمك، وأن نسير عليه حتى تشرق شمس العدالة على كردستان، ويصبح الحلم الذي حاولوا أن يعلقوه على مشنقة مهاباد وطنًا حيًا في وجدان أبنائه، وواقعًا يفتخر به التاريخ.

المجد لقاضي محمد… والخلود لشهداء كردستان.

عطا شميراني
تلميذ مدرستك… وسيبقى كذلك ما بقي في القلب نبضٌ لكردستان.

قد يعجبك ايضا