معد فياض
في عام 2006، حيث كانت بغداد، ومدن عراقية أخرى، غارقة بالتفجيرات الارهابية والاقتتال الطائفي، التقيت المهندس المدني هشام المدفعي في عمان، كان قادما قبل ايام من بغداد، وسألته عنها، عن المدينة التي أحبها ومنحها جل سنوات حياته، صمت قليلا ورد قائلا: ((معد.. ما نعرفه، وما تعرفه وما نتذكره من صور جميلة وحياة طيبة لبغداد احتفظ بها كفكرة راسخة في ذاكرتك الصورية، لا تدع الاحداث الراهنة تشوه هذه الفكرة)). واستطرد ((بغدادنا ستعود الى بغداد ولاهالي بغداد ولكل العراقيين، مثلما كانت جميلة ومتالقة)).
هذا الحديث اول ما تبادر الى ذهني حين سماع خبر رحيل شيخ المهندسين العراقيين هشام المدفعي، يوم الاربعاء 15 كانون الثاني، 2025، في لندن عن عمر ناهز الـ 97 سنة.. سحبت من مكتبتي كتابه الذي يتفاءل به بمستقبل متألق للعراق الى جانب سرده لمذكراته (نحو عراق جديد.. سبعون عاما من البناء والاعمار)، صدر عام 2017، الذي كان قد ارسله لي مع شقيقه، صديقي العتيد الموسيقار العالمي إلهام المدفعي، واعدت قراءة مقاطع كنت قد اشرت تحتها بقلم الرصاص، والتي يتحدث فيها عن العراق الجديد: ((لا أقول وداعا يا عراق … اني متفائل وأقول بأني واثق من ان هناك الكثير من العراقيين المخلصين الذين سينهضون قريبا، ويعملون على بناء العراق الجديد الذي عاهدنا أنفسنا وعملنا على بنائه ، والذي وعدنا أولادنا على تكوينه ووعدنا من غادرنا في ان نحافظ عليه)) .مضيفا ((ستكون هناك مجالات عديدة في إعمار العراق، وسيتكون مجلس لإعمار العراق لأن ذلك هو الطريق السليم الذي يحقق توفير الخدمات لطبقات الشعب المحتاجة ويحدّث ما تضرر منها، وستعترف الكتل السياسية والاقتصادية وغيرهم، في ان إعمار العراق وتطويره واللحاق بالبلدان المتطورة يجب ان لا يكون في يد السياسيين، بل على السياسيين ان يضمنوا الاجواء الآمنة والمناسبة لنشاطات الإعمار الى أصحاب الاختصاص والخبر من العراقيين، تساعدهم الخبر العالمية المتخصصة لتحقيق احلام العراقيين وازالة التخلف الذي تركته السنون المظلمة، وسأبقى بانتظار العراق الجديد)).
يتحدث المدفعي في الفصل الاول من كتابه (نحو عراق جديد) عن عائلته ((نشأت في اسرة عراقية بغدادية عريقة، لقبت بأسرة المدفعي، اذ كان جدي ومن بعده والدي من ضباط صنف المدفعية في الجيش العثماني في الهزيع الاخير من العهد العثماني في العراق. وكنت اعرف ان جدي من اصول كوردية وان زوجته من اصول عربية، غير أنى لم أدرك في نشأتي فوارق بين تلك الاصول التي يعج بها المجتمع العراقي منذ قرون طويلة))
المدفعي ولد بأسرة بغدادية شهيرة، في بغداد 1928. والده حسن فهمي المدفعي أحد رجال الادارة ومدراء الشرطة العامين في العهد الملكي وأحد أكبر الشخصيات في تأسيس الدولة العراقية، وعرفت أسرته بأعلامها المشهورين: المهندس المعماري قحطان المدفعي، والدكتور سهام والمهندس هشام والمهندس عصام والفنان الموسيقي إلهام وميادة. يتحدث عن اسرته قائلا: ((كانت والدتي تريد من الهام أن يدرس الهندسة مثل بقية إخوته هشام وسهام وقحطان، لكنه لم يأخذ بنصيحتها أما ميادة درست في كلية البنات باختصاص أدبي. وكانت زوجتي سعاد علي مظلوم أول فتاة تتخرج مهندسة في العراق. وقد دخلنا سوية إلى الكلية وتخرجنا معاً. وعملت في مديرية الطرق والجسور)) وله من زوجته غادة وكميت.
درس هشام المدفعي في المدرسة المأمونية الابتدائية وثم الثانوية المركزية ودخل كلية الهندسة وتخرج منها وعمل في مناطق مختلفة من العراق من كوردستان في شمال العراق وحتى البصرة في اقصى جنوبه، تاركا عشرات او مئات المشاريع التي اشتغل وأشرف عليها، ومن اهمها مشروع تطوير بغداد وهو مشروع عظيم أنجز البعض منه في الثمانينيات، مثل شارع حيفا ووزارة التخطيط ونصبي الشهيد والجندي المجهول، ومن الصعب ان نلم هنا بالمشاريع التي حملت اسمه.. ولكن علينا ان نذكر هنا انجازاته في مخطط الإسكان العام في العراق، في السبعينيات وكان من اهم المشاريع في العراق، حيث وضع خطة كاملة عن حل أزمة السكن في العراق منذ السبعينيات وحتى عام 2000، ولونفذ هذا المشروع لما كان هناك مشكلة سكن في العراق.
وحسب ما دون صديقه، الباحث العراقي الأكاديمي صلاح عبد الرزاق: ((في مايس 1986 اعتقل أمين العاصمة عبد الوهاب المفتي بتهم تلقي رشاوي من الشركات والمقاولين العاملين في مشاريع الأمانة. كما تم اعتقال مسؤولين آخرين بنفس التهمة. وفي 16 تموز من ذات العام جاءت مجموعة من رجال الأمن إلى دار هشام المدفعي واقتادوه وعصبوا عينيه ووضعوا في السيارة. دخل دائرة المخابرات وأرغموه على الوقوف على رجل واحدة ورفع الأيدي إلى الأعلى. لم يعرف هشام سبب اعتقاله والتهمة الموجهة له. اقتادوه للتحقيق وسألوه عن علاقته بموفق العلاف الذي كان معتقلاً أيضاً.
تعرض هشام للضرب المبرح على رأسه وظهره بالعصي طالبين منه الاعتراف. استمرت تلك الحالة ثلاثة أشهر من التعذيب والاهانة والصفع المفاجئ وحرب الأعصاب. أثناء التحقيق سألوه عن جميع العاملين معه ومنهم عبد الوهاب المفتي ورفعت الجادرجي ومعاذ الالوسي وبقية المهندسين. وكانت الأجهزة الأمنية لا تتردد في اختلاق قصص قبض رشاوي والتجسس للأجانب كما فعلوا بأمين العاصمة مدحت الحاج سري الذي ظهر في تلفزيون بغداد ليعترف بالتجسس والعمالة لدولة أخرى.
بعد شهرين وفي 27 كانون الأول 1986 تم نقلهم إلى محكمة الثورة.يقول هشام المدفعي: ((بعد السؤال عن الاسم والعمل سألني القاضي: هل أنت مذنب أم بريء، فقلت: بريء. بعدها بدأ القاضي بقراءة الحكم فقال: الحكم على المهندس هشام المدفعي بالإعدام شنقاً حتى الموت، وعلى موفق العلاف بالسجن لمدة عشر سنوات. تم اقتيادي إلى سجن أبو غريب وأدخلت في غرفة تضم عشرين شخصاً محكومين بالإعدام وكلهم من الشباب الكورد)).
ويتدخل القدر حيث تحظى ابنته غادة بلقاء مع الطاغية صدام وتبلغه بان والدتها مصابة بالسرطان وسوف تخسرها كما ستخسر والدها، وتطلب منه العفو عنه، في 27 تشرين الثاني 1988 أبلغ مأمور السجن هشام المدفعي بصدور عفو خاص عنه، (على غير العادة) فخرج مسرعاً وغادر السجن الذي قضى فيه (30) شهراً.
كانت أغلي امنيات المهندس هشام المدفعي اعادة مجلس الاعمار الذي كان قد اسسه نوري سعيد رئيس الوزراء في العهد الملكي لإدارة اعمار العراق، وان يعمّر شارع الرشيد وكان يردد باستمرار ((إنا على استعداد لأن أساهم في ذلك ما دمت حياً، لأن العراق سيد من النبلاء ربما بان عليه الكبر لكنه يبقى عالياً وأبيّاً)).
