ملحمة خواكورك: حين كسرت البيشمركة شوكة النظام البعثي

أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث و المعاصر

في تموز من عام 1988، وعلى وقع التحولات الجيوسياسية التي شهدها العراق والمنطقة، كُتبت إحدى أبهى صفحات التاريخ الكوردي المعاصر، حيث سطّرت قوات البيشمركة ملحمة بطولية في منطقة خواكورك، أصبحت رمزًا خالدًا في سجلّ الكفاح الوطني الكوردي. لم تكن مجرد معركة عسكرية، بل كانت فعل مقاومة متكاملًا جمع بين البعد العسكري والبعد السياسي، ودحضَ أوهام القوة الباطشة التي استند إليها نظام البعث حين ظن أن بإمكانه القضاء على حلم كوردستان الحرة.

في الفترة من التاسع عشر من تموز الى الخامس من ايلول عام 1988، سعى نظام البعث بقيادة صدام حسين إلى تصفية المقاومة الكوردية في كوردستان العراق. وقد اتجهت الآلة العسكرية البعثية نحو منطقة خواكورك، حيث كانت البيشمركة قد حررت أجزاء واسعة من جبالها الوعرة، وأقامت خطوط دفاع طبيعية تعززت بإرادة لا تلين.

شارك في هذا الهجوم أكثر من 15 فرقة عسكرية تابعة للجيش العراقي، مدعومة بمدفعية ثقيلة، وطائرات حربية، واستخدام ممنهج للأسلحة الكيميائية المحرّمة دوليًا. الهدف كان واضحًا: القضاء التام على وجود البيشمركة في المنطقة، وفتح الطريق نحو إعادة السيطرة على باقي المناطق الجبلية المحررة.
ورغم هذا التفوق العددي والنوعي، أظهرت قوات البيشمركة بقيادة الرئيس مسعود بارزاني صمودًا أسطوريًا، مستندًا إلى معرفة دقيقة بجغرافية الأرض، وتأييد شعبي محلي، وروح نضالية عالية. فشلت القوات البعثية في تحقيق أهدافها، وتكبدت خسائر بشرية ومادية جسيمة، في معركة أحرجت الرواية الرسمية لنظام بغداد أمام الداخل والخارج، وأظهرت محدودية القوة العسكرية أمام إصرار شعب على نيل حريته.

تُعد معركة خواكورك، من منظور عسكري، نموذجًا بارزًا لحرب العصابات في البيئات الجبلية، حيث تبرز الكفاءة في التكتيك والمرونة في الحركة، مقابل جمود آلة الحرب التقليدية. أما من الناحية الرمزية، فقد مثّلت هذه المعركة شهادة حيّة على أنّ حلم الاستقلال لا يُقهر حتى بأكثر أدوات القمع دموية.

سياسيًا، جاءت ملحمة خواكورك لتؤكد أنّ الثورة الكوردية لم تكن مرتبطة بتوقيت الحرب العراقية–الإيرانية، كما روّج نظام البعث، بل كانت نابعة من قناعة أصيلة لدى الشعب الكوردي بأنّ النظام الحاكم لا يعترف بحقوقه القومية، ولا يؤمن بمبدأ الشراكة في الدولة. شكّلت هذه الملحمة تمهيدًا نفسيًا وسياسيًا للانتفاضة الكبرى في آذار عام 1991، حين انتفضت المدن الكوردية من زاخو حتى خانقين، مدفوعةً بذات الإيمان الذي حرك البيشمركة في جبال خواكورك.

ليست خواكورك مجرد ذكرى عسكرية تُستحضر كل عام، بل هي عنوان لمرحلة من المقاومة الوطنية الكوردية، يجب قراءتها ضمن سياق أوسع من النضال من أجل تقرير المصير، والدفاع عن الكرامة، ومواجهة سياسات الإبادة والتذويب القومي. لقد أثبتت هذه المعركة، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الشعب الكوردي ليس طارئًا في معادلة الدولة، بل هو فاعل جوهري في صياغة مستقبل العراق والمنطقة.

وفي ذكراها السابعة والثلاثين، نرفع تحية إجلال لأرواح شهداء خواكورك، ولكل من سقط في سبيل بقاء راية كوردستان مرفوعة عالية.

قد يعجبك ايضا