الولاء الوطني والجبهة الداخلية كضرورة استراتيجية في ظل التحولات الإقليمية

 

د. دژوار سندي
اكاديمي ومتخصص في القانون

ان ولاء الوطني في تاريخ الأمم يمثل حجر الأساس لاستمرار الكيانات السياسية في مواجهة التحديات الوجودية، وفي اقليم كردستان العراق
اليوم نجد انفسنا امام لحظة حاسمة تتطلب إعادة تعريف هذاالولاء بما يتجاوز الشعارات العاطفية نحو المسؤولية المؤسستاتية والقانونية
الصرفة، خاصة وأننا نرقب التحولات الإقليمية الكبرى التي تمثلها
اجتماعات القوى الدولية والتحالفات الكبرى، كما نرى في تحركات
حلف الناتوالأخيرة في أنقرة وما يترشح عنها من إعادة رسم لخرائط المصالح والأمن في المنطقة، الأمر الذي يفرض علينا إدراك أن العالم والتحالفات الدولية لا يحترمون إلا الكيانات المتماسكة التي تتحدث بصوت
مؤسساتي واحد وتمتلك جبهة داخلية صلبة، فبناء الدولة القوية يبدأ من الإيمان بسيادة المؤسسات الدستورية وتقديم مصلحة الإقليم العليا فوق أي اعتبار حزبي أو منافسة سياسية ضيقة، لأن الاختلاف في الرؤى وإن كان ظاهرة ديمقراطية صحية إلا أنه يتحول إلى خطر وجودي داهم إذا أدى إلى تآكل هيبة المؤسسات أو فتح ثغرات للتدخلات الخارجية التي تستثمر عادة في الانقسامات الداخلية لإضعاف القرار الوطني، وهذا يستوجب ترسيخ مفهوم المواطنة الجامعة التي تضمن حقوق المكونات كافة وتواجه خطابات الكراهية والتخوين في الفضاء الرقمي والسياسي، مع التأكيد على أن الولاء الوطني الحقيقي لا يعني أبداً إسكات الأصوات الناقدة بل يتضمن في جوهره النقد المسؤول والمطالبة بالإصلاح وكشف الخلل بهدف تقوية الدولة وتدعيم ركائزها من الداخل، فالفرق الجوهري بين النقد الوطني والسلوك الهدام يكمن في الغاية والوسيلة؛ فالأول يسعى لترميم البيت وحماية المكتسبات التاريخية التي تحققت بالتضحيات بينمايؤدي الثاني إلى تقويض الثقة بالذات وإضعاف القدرة التفاوضية للإقليم في المحافل الدولية، وفي نهاية المطاف فإن مستقبل إقليم كردستان لن تحدده طبيعة التهديدات الخارجية وحدها بل ستحدده قبل كل شيء قدرة قواه ونخبه ومواطنيه على الالتفاف حول مشروع سياسي وقانوني موحد قوامه سيادة القانون والمسؤولية المشتركة، لأن الأوطان لا تنهار عادة بقوة خصومها بل بضعف جبهتها الداخلية، مما يجعل الحفاظ على التماسك
الوطني اليوم واجباً استراتيجياً لا يقبل التأجيل لضمان استقرار الإقليم وازدهاره في ظل نظام عالمي معقد لا يعترف إلا بمن يملك مؤسسات صلبة وولاءً مؤسسياً عابراً للإنتماءات الحزبية الضيقة.

قد يعجبك ايضا