اللغة الفصحى لغة المنظومة التربوية للتعليم الأكاديمي

أ. د.   ياسر الطائــي

        اللغة العربية الفصحى كما هو واقعها لغة نموذج، متميز بين اللغات القديمة ذات الرسالات الدينية والحضارية، وهي لغة نموذج متميزة أيضاً بين اللغات الحديثة التي تعيش على أمل الانتشار الواسع في المستقبل، وهي لغة الوحدة والانتماء الواضح الذي تنشده كل أمة تعتز بلغتها وذاتها وتمد حاضرها على مساحة الأرض التي  تعيش عليها شعوبها وسكانها.

إلا أنَّ طبيعة اللُّغة وطبيعة الحياة توجب استمرار الرعاية الدائمة والمتابعة المستمرة حتى لا تتجاوز الأشياء طبيعتها وألا تترك الأحداث على سجيتها. واللغة كائن حي متطور يحتاج إلى توجيه في نموه وتطوره ليوافق السياق الذي ينسجم مع أصله ويعتمد على قاعدته، فهي كالشجرة الوارفة التي تنتشر أغصانها وتتهدَّل حولها وتتسع بجانبها، وإذا لم تقطع هذه الأغصان وتُشذّْب شجرة اللغة تحوَّلت أغصانها إلى أحراش ونباتات ضعيفة تعيش في كنف الشجرة الوارفة وتمص الماء الذي ينساق في أصلها وتحرمها الظل والشمس، فيضعف قوامها كلَّما قويت الأعشاب المحيطة بها وامتدت فروعها بعيداً عن أصلها وتشعبت اتجاهاتها وانحرفت عن نسق الشجرة الأصل وسموها.

وتلك أقرب صفة تمثِّل حال الفصحى والعامية أصدق تمثل. لأنَّ اللَّهجات العامية تبدأ بجانب اللغة الأم وتعيش معها وفي كنفها ثم تأخذ بالانحراف عنها والإحاطة بها والانتشار حولها ثم  تحول دون سهولة الوصول إليها، فيصعب على الأقدام الضعيفة التجاوز، فتقف في مطامن الأحراش ويظن العاجزون والمتعلِّلون بالأسباب أن هذا يغني عن برد الدوحة الباسقة والشجرة الظليلة. وقد تقوم تلك الأحراش مكانها إلا إذا وجدت من يتنبَّه لها ويميز بين الأصل والفرع، فيقوِّمُ اعوجاج الأغصان المتهدلة والمنحرفة.

واللغة العربية الفصحى تعيش اليوم في خضمٍّ متلاطمٍ من أحراش العامية  وتخوض حرب البقاء المشروع على الرغم مما تواجه من صور التحدي، ولاسيما عندما يتشبَّع الناس بالثقافة العامية ويعيشونها ويعجبون بها، ويجد الكثير من أبناء العربية العامية مُيسرة سهلة لديه، فيميل إليها ويستعملها ويتفاعل معها ويظن أنه يستطيع أن يستغني بها عن الفصحى، فيعيش حالة من الانفصام الثقافي ويعيش حالة من الازدواج اللغوي. ويخدع نفسه أحياناً بشيء من  التبرير لاستعمال العامية بدل الفصحى، وقد تكون لمبرراته أسباب كثيرة بعضها خارج عن مدى تصوره وإدراكه لوظيفة اللغة الفصحى التي يجب أن تقوم بها ، وضرورة العامية التي يستعملها. كما أن بيان وظيفة كل منهما يخفى في بعض الأحيان على الخاصة من الناس فما بالك بأمر العامة الذين لا يعرفون في حياتهم أقرب من العاميَّة وأسهل منها. إن الحاضر يشهد خللاً بيِّناً في فهمنا لوظيفة اللغة الفصحى وفي فهمنا لاستعمال ضرورات العامية، ولا نميز الخطر الذي يواجه الأمة العربية عندما تستنيم إلى سهولة العامية وتتجافى عن الفصحى. وقد انتقل الحال في الوقت الحاضر من استعمال العامية  الصامت إلى الطرح  لها على ساحة الواقع  الاجتماعي، وبدأت أقلام وآراء تطالب بإعطاء العامية مساحة للحضور والظهور ومشاركة الفصحى حقها، واستعمل في هذا الطرح وسائل التثقيف العامة ومصادر المعرفة المشتركة، ونزلت العامية بقوة إلى ميدان الفصحى حتى بلغ الأمر حد الخطر الذي نخشاه على مكتسباتنا الدينية  والقومية والاقتصادية والتربوية وعلى لغتنا بعد ذلك وعلى وحدتنا وذاتنا وكياننا. 

وبنظرة سريعة واستعراض موجز للآراء التي تسوِّغ استعمال العامية وتدعو إليها نجد أننا أمام توجه عارم إلى العامية وإلى أدبها وشعرها ولغتها، وأن أصحاب هذا التوجه يتوزَّعون على كلِّ الأقطار العربية من الخليج إلى المحيط ويقومون بعمل منظِّم تؤيده بعض وسائل الإعلام وتنشره للناس. وقد اختلفت آراء أصحاب التوجه العامي، فأشدها تطرفاً من يدعو إلى إطلاق رصاص الرحمة على جسد اللغة العربية الفصحى –كما يقول – كي تستريح وتريح، ويدعو لأن تحل اللغات العامية محلها، ويصفها بأنها أصل معطوب وأنها قد انقطعت عن الحياة وانقطعت الحياة عنها. 

 ومنهم من يرى أن تُطعَّم الفصحى بالعامية وتُخلط معها، ويصف الفصحى بأنها عُزلت عن معظم مجالات الحياة قروناً طويلة حتى قلَّت طواعيتها للتعبير الحي الدقيق. وخير وسيلة لمدها بروح الحياة – كما يرى – تطعيمها بإيقاعات اللهجات العامية ، وثالث يرى أن علينا أن نخاطب الشعب بلغته أيضاً لأن الفصحى -في رأي عاجزة عن هذا الدور، ويرى أن تكون الفصحى لغة المنظومة التربوية للتعليم الأكاديمي وهي صالحة لذلك، أما أن تكون لغة الفنون والتعبير عن مشاعر الشعب وقضاياه فيعتقد أنها غير قادرة على ذلك، وسيكون للأدب العامي في رأيه – مستقبل زاهر بكل تأكيد  .

قد يعجبك ايضا