صناعة الأوهام وآثارها في تشكيل الوعي الجماعي المزيف

الدكتور نايف كوردستاني

إِنَّ الأوهام من الظَّواهر النَّفسيَّة، والاجتماعيَّة، والتَّاريخيَّة، والسِّياسيَّة، والدِّينيَّة القديمة المُعقّدة من تجلّياتها عدم إدراك الواقع بشكل صحيح، أو تصوّرات مبالغة للواقع، أو عدم قراءة الواقع، وفهمه بصورة دقيقة لتلك الوقائع للأحداث، والشَّخصيّات المبنيَّة على الإشاعات المُضلِّلة لأسباب اجتماعيَّة، وسياسيَّة، واقتصاديَّة، وإعلاميَّة.
ويرى الفلاسفة بأنَّ الوهم هو عبارة عن صورة ذهنيَّة متخيّلة ليس لها ما يطابقها من الواقع. وأَنَّ صناعة الوهم عمليَّة مقصودة من أجل التَّضليل، وتشويه الحقائق بأدوات، وآليّات مدروسة لأغراض، ومصالح معروفة تخدم أجندات مشبوهة.

إنَّ صناعة الأوهام هي إحدى الوسائل، والأدوات لدى السِّياسيين الحاقدين الذين أخفقوا في تقديم مُنجزات حقيقيَّة على أرض الواقع، وعدم امتلاكهم لرؤية واضحة لمشاريع وطنيَّة تخدم المواطن، والمجتمع بصورة عامّة؛ ولهذا السَّبب يُحشِّدون كُلّ مقدراتهم مُسخّرين إعلامهم النَّتن لترويج الإشاعات الكاذبة، وبيع الأوهام لتشويش الرَّأي العامّ مبررين عن عجرهم، وعدم وفائهم بالالتزامات التي قطعوها على أنفسهم لجماهيرهم إبّان الحملات الانتخابيّة.

 توجد في منطقة الشَّرق الأوسط أكبر الأسواق لتسويق الأوهام، والأكاذيب، والأباطيل، وعرضها بصورة مُنمّقة مغلفة تارة بالإطار الوطنيّ المُزيّف، وتارة بالإطار الدِّينيّ، وتارة بالإطار القوميّ عن طريق القنوات الفضائيَّة، ومنصّات التَّواصل الاجتماعيّ التَّابعة للأحزاب الفاسدة وقوى اللا دولة المعتمدة على تسويق الأوهام، وبضاعتهم الكذب، وبيع الأوهام في الأسواق لاستغلال عواطف النَّاس، واحتياجاتهم، واللعب بمشاعرهم لثقة هؤلاء السَّاسة بأنَّ المواطن (غبي) -من وجهة نظرهم- من السَّهل جدًّا استغلاله بتقبّل عمليات النَّصب، والاحتيال على فكره، واستدراجه للوقوع في شبكتهم، والتَّصديق بوعودهم، وخطاباتهم الرَّنانة من خلال بناء الجسور المعلّقة في الفضاء، فضلًا عن إحداث الفتن في المجتمع برمّته لإشغال المجتمع عن ممارساتهم الإجراميَّة، وتصفيات الأصوات الوطنيَّة.

ولو تأملنا واقع صُنَّاع الوهم من قبل الجهات المُنفِّذة ستجد تغطية مستمرة على إخفاقاتهم، وعدم امتلاكهم لمشاريع حقيقيَّة سوى تصدير الشِّعارات الجوفاء، واللعب على الوتر الحسَّاس لدى المواطن، وصُنَّاع الوهم هم عبارة عن طبقة من المرتزقة الذين يُقدِّمون جهلًا مُركّبًا لطبقة المجتمع كلّها، ويصنعون لهم أوهامًا، ويقنعون المتلقي بأنَّها حقائق ثابتة، وجزء من المُسلّمات، لكنّه تزييف للوعي المجتمعيّ، وهؤلاء يعتمدون على افتعال الأزمات، ويعتاشون عليها، وترويج للشِّعارات البرّاقة الجوفاء، والمزايدات الفارغة، وهم من أخطر الأمراض، وأشدّها فتكًا في المجتمع العراقي.

ولمنصّات التَّواصل الاجتماعيّ دورٌ كبيرٌ في دعم الحواضن الدَّاعمة لنشر الأوهام من خلال إمكانية خلق رأي عامّ وهميّ بعيدًا عن الواقع، والحقائق الملموسة المدعومة بالأدلة الثّبوتيَّة، والكارثة الكبيرة عندما تقوم الطَّبقة التي تُسوِّق نفسها بالنُّخبويَّة لترويج الأوهام، والأكاذيب التي أصبحت صناعة محترفة لاستغفال النَّاس، والضَّحك على ذقونهم، وتحريك مشاعرهم، ومن الجدير بالذِّكر أنَّ منصّات التَّواصل الاجتماعيّ تؤدي دورًا كبيرًا في التَّلاعب بالرَّأي العام، وسرعة نشر المعلومات المزيفة التي تُؤجِّج الشَّارع، والرَّأي العام على الحكومات، ومؤسساتها بالأخبار الملفّقة، ومقاطع الفيديو المفبركة، ويتفاعلون مع تلك الأوهام متّبعين سياسية القطيع.

أدوات صناعة الأوهام الأساسيَّة هي:
الوسائل الإعلاميَّة، كالقنوات الفضائيَّة، والإذاعات، والجرائد، والصُّحف، والمجلات، ومنصّات التَّواصل الاجتماعيّ التي تصنع خطابًا إعلاميًا مُوجّهًا لفئات مستهدفة. 
التَّقنيات الرَّقميَّة من خلال نشر الكُتب المزوّرة التَّابعة لجهات سياسيَّة، وحكوميَّة، وقضائيَّة، واستخدام المؤثرات الصَّوتيَّة على مقاطع مصوّرة التي تضفي مصداقيَّة زائفة برّاقة من باب خداع العقل الجمعي، وتنتشر بسرعة البرق في المجتمع.
الاعتماد على النُّجوم، والمؤثرين، والمُدونين، والمشاهير لاسيّما أنّهم يتقاضون رواتب كبيرة لنشر أفكار، ومعتقدات بعيدة عن الواقع لغرض تضليل الجمهور، والتَّلاعب بعواطفهم، ومشاعرهم، وهم يحاولون استغلال ثقة الجمهور لتمرير رسائل وهميَّة عن الواقع الحكومي.
لجوء السِّياسيين إلى صناعة الوهم عن طريق إطلاق الوعود الكاذبة غير واقعية، واستخدام أساليب التَّحريض على الآخرين لكسب التَّأييد الشَّعبيّ من دون امتلاكه للحلول النَّاجعة، وهناك شخصيات معروفة بحقدها الدفين تجاه إقليم كوردستان يلعبون بالورقة القوميَّة قبيل الانتخابات.     

الآثار السَّلبيّة للأوهام في صناعة تشكيل الوعي المزيّف:
تشويه الواقع، وقلب الحقائق رأسًا على عقب.
انعدام الثَّقة بين المواطن، والمؤسسات الحكوميَّة، والحزبيّة، وفقدان المصداقيَّة ممَّا تفعله القنوات الفضائيَّة، ومنصات التَّواصل الاجتماعيّ في التَّرويج، والتَّسويق للأوهام، والأخبار الكاذبة، وتضخيمها.
التَّضليل الإعلاميّ من قبل الوسائل الإعلاميَّة المرئيَّة، والمسموعة، والمقروءة، ومنصّات التَّواصل الاجتماعيّ، والجيوش الإلكترونيَّة التَّابعة للجهات التي تحاول تضليل الرَّأي العام!

تحريض المواطن ضد الحكومة، والسُّلطات الأمنيَّة، والعسكريَّة لزعزعة الأمن، والاستقرار.
إنتاج رموز، وشخصيات تافهة، وهويّة زائفة لتفتيت البُنيَّة المجتمعيَّة المتماسكة.
تشويه الوعي الجمعيّ، ويصبح المجتمع عاجزًا عن التَّفريق بين الحقيقة، والوهم.
نشر القصص، والرُّوايات، والحكايات المُلفّقة لاستهداف عواطف الجماهير لكي تتخذ قرارات مُتسرعة مبنيَّة على المشاعر الجيّاشة البعيدة عن الحكمة، ولغة المنطق، وتغليب العقل.
بروز الإشاعات بصورة كبيرة جدًّا لاسيّما عندما يقترب موسم الانتخابات من باب التَّسقيط بالأحزاب السَّياسيَّة، والرُّموز الوطنيَّة.
إيجاد حالة مختلقة من الهلع، وفقدان الأمل بشحن الجماهير بالشعارات الرَّنّانة لكي يعزفوا عن المشاركة في العمليّة السِّياسيَّة.
خلق انقسامات مجتمعيّة، وسياسيَّة في ظل انتشار الخطابات الشَّعبويّة، والأفكار المتطرِّفة سياسيًّا.

ومن أبرز الأمثلة لصناعة الوهم المزيف ما تفعله بعض الجهات السِّياسيَّة المناوئة لسياسة حكومة إقليم كوردستان مُروجين إعلاميًّا بأنَّ إقليم كوردستان أصبح مزدهرًا، ومتقدِّمًا عمرانيًا بفضل أموال المحافظات الجنوبيَّة العراقيَّة من الموازنة، ويُحرضون الشَّارع العراقيّ إعلاميًا عبر قنواتهم الموجّهة ضد إقليم كوردستان!
كما أنَّ الحكومات العراقيّة قطعت حصة إقليم كوردستان، ورواتب موظفيه منذ سنة (2014) حتى الآن، ويوميًّا يشيعون أخبارًا مُلفّقة بأنَّ حكومة إقليم كوردستان تسرق رواتب موظفيها، ونحن نرسل لكم الرّواتب، لكن حكومتكم لا تسلمكم، وهنا يبدأ دور صناعة الوهم، وتصديره، والتَّلاعب بالعقول من خلال الإعلام الموجّه لزعزعة الثَّقة بين مواطني كوردستان، وحكومته، وقيادته الحكيمة، واختلاق الأكاذيب، وتضليل الرَّأي العام الكوردستانيّ عبر القنوات الفضائيَّة، وبرامجها اليوميَّة ضد حكومة كوردستان باللغتين العربيّة، والكورديَّة، فضلًا عن كثير من منصّات التَّواصل الاجتماعيّ المناهضة لسياسة حكومة إقليم كوردستان.

فبدلًا من إرسال رواتب موظفي كوردستان، فأنّهم يرسلون الطَّائرات المُسيّرة المفخّخة إلى إقليم كوردستان الآمن بحجّة استهداف مقرات للموساد الإسرائيلي، وهذا يندرج ضمن صناعة الأوهام في عقليّة الفرد العراقيّ، ودغدغة مشاعره الدِّينيّة، والوطنيّة، وهم يعلمون جيدًّا بعدم وجود تلك المقرات المزعومة!
ومِنْ حقّنا أن نتساءل مَنْ هي الجهات التي تستهدف إقليم كوردستان؟
فإذا كانت إيران، فهي قد خرقت السِّيادة العراقيَّة، وإقليم كوردستان جزء من العراق الاتحاديّ، وإذا كانت الفصائل المنفلتة، فيجب على الجهات المعنيَّة في الحكومة الاتحاديّة بيان نتائج التَّحقيقات من قبل اللجان المُشكَّلة بهذا الخصوص لمعرفة الجهات التي تقف وراء تستهدف الآمنين؛ لتقديمهم إلى العدالة، ومحاسبتهم، أما إذا كان الحشد الشعبي هو من قام بالاستهداف بوصفه مؤسسة أمنيَّة تابعة للقائد العام للقوات المسلّحة، فأنَّ هذا يعني أنَّ الجهات الأمنيَّة العراقيَّة الرَّسميَّة تستهدف شعب إقليم كوردستان لدوافع معروفة، وهي امتداد لسياسة النِّظام العراقيّ البائد السَّابق!   

إنَّ صناعة الوهم، وتسويقه في المجتمع ليست مجرد ظاهرة هامشيَّة بل أصبحت جزءًا أساسيًا من المُنظومة الإعلاميَّة، كما أنَّ صناعة الوهم قائمة على إنتاج أفكار، أو صور، أو قصص خياليَّة بعيدة جدًا عن الحقيقة، والواقع، قد أُعدّت خصيصًا لخداع الجمهور، وتضليلهم، ودفعهم نحو سلوكيات بعيدة عن عاداتنا، وتقاليدنا المجتمعيَّة، وإنَّ تسويق الوهم قائم على استغلال حاجات المواطن كالرغبة في الأمان، والاستقرار، والحلم بالثَّراء السَّريع، والبحث عن زعيم مُنقذ في أصعب الأوقات كما تحاول بعض القنوات والصَّفحات!

يجب أنْ ندرك جيدًا أنَّ صناعة الوهم في ظلّ التَّقدّم العلمي ليس من الصعب خلق واقع مختلف يتلاعب بعقول الجماهير، وهي من أخطر الصِّناعات في التَّاريخ المعاصر من خلال إعادة تشكيل الوعي الجمعيّ المزيف بما يخدم مصالح جهات سياسيَّة، واقتصاديَّة، واجتماعيَّة، ودينيَّة، وأجندات داخليَّة، وخارجيَّة!  

 واليوم أصبحت وسائل الإعلام الرّقميَّة منصّة مثاليَّة لتضخيم الأكاذيب، والتَّرويج لها قادرة على خلق مؤامرات يصدّقها الجمهور من المتلقين، وهنا تكمن مشكلة الوهم أنّها تسيطر على العقل بأساليب متنوعة، ومختلفة بعيدة عن الواقع، ويضع المتلقي في دوامة تبعده عن الواقع متحكمة في سلوكياته، وقناعاته بشكل مقصود لإحداث الفتنة، وتأجيج العواطف، وإثارة الرعب، وزعزعة الثَّقة.
ولتقريب صورة صناعة الوهم أكثر، فقد حدثت مشكلة بين شخصيتين كورديتين من عشيرتين مختلفتين حول أرض زراعيَّة، تطوّر الأمر بينهما في قضاء (خبات) -الذي يبعد عن مركز مدينة أربيل (37) كم- ، فقامت القنوات والصَّفحات المسمومة بتفريغ جام حقدها، وكرها، ونفث سمومها تجاه كوردستان من خلال تلفيق الأخبار الكاذبة، والتَّحريض على حكومة كورستان بنشر عبارات مضحكة، وهزليَّة لعدم مصداقيتها على أرض الواقع، منها: (زعيم العشائر الكورديَّة يطالب من أهالي أربيل الانضمام لهم، وحمل السِّلاح…)، (المتحدّث العسكريّ للعشيرة الفلانيَّة…)، (مجلس شورى العشيرة الفلانيَّة …)، و(العشائر الكورديَّة تنتفض ضد حكومة كوردستان…)، وكأنَّ حكومة كوردستان سقطت بيد إحدى العشائر الكورديَّة علمًا أنَّ تلك العشائر لا مشكلة لها مع الحكومة الكوردستانية، وهنا لا أريد الخوض في (الدكات) العشائريَّة، وهي عبارة عن هجمات مسلّحة على منازل الخصوم من العشائر الأخرى كنوع من التَّهديد لإرغامهم على الرُّضوخ  للحكم العشائريّ، وإعطاء مهلة (3) أيام للإذعان بشروطهم التي تحدث في المحافظات العراقيَّة الجنوبيَّة بين الفينة، والأخرى من دون رادع لتلك العشائر التي تهدد الأمن، والسِّلم المجتمعين علمًا أن أحكام (الدكة) العشائريَّة ما بين الحكم بالسَّجن (20) سنة إلى الإعدام، وقد عُدّت من الجرائم الإرهابيَّة حسب قانون مكافحة الإرهاب وفق المادة (2) لسنة (2005)!
فضلًا عن نشر مقاطع مصوّرة من الحرب الرُّوسيَّة- الأوكرانيَّة، ونسبة تلك المقاطع لأربيل كذلك نشر صورة لفتاة كورديَّة إيزيديَّة بأنها استشهدت نتيجة الصِّراع المسلح بين الطرفين…!
وممَّا تقدّم أنَّها مجموعة من الأوهام نُسجت في خيالاتهم التي لا أساس لها سوى تضليل الرَّأي العامّ، وسحب الجماهير، والرَّأي العامّ إلى منطقة أخرى بعيدة عن ساحتهم بعد غليان الشَّارع العراقي ضد جهات سياسيَّة قابعة في السُّلطة بعد إخفاقهم في المناصب الحكوميَّة على مدى (22) سنة، وانتقال مجموعات من السَّاسة، والنُّوّاب بين تلك الكتلة، أو ذاك الحزب والنَّتيجة مشاريع عملاقة في كوكب المريخ!  
  

قد يعجبك ايضا