من فيصل الاول إلى السوداني: لماذا فشلت بغداد في بناء شراكة وطنية؟

أ.د. خليل مصطفى عثمان
أستاذ التاريخ العراقي الحديث والمعاصر

منذ تأسيس المملكة العراقية الحديثة عام 1921، ظلّت معضلة الحكم تتكرر بأشكال مختلفة، لكن بعقلية واحدة: المركزية الإقصائية. وتحت هذه الذهنية، تشكلت السياسات وتحدد مسار العلاقة بين السلطة والمكونات العراقية، وعلى رأسها الشعب الكوردي. لم يكن الإقصاء فعلاً عارضًا، بل نسقًا بنيويًا، يظهر في كل مفصل من مفاصل الدولة، من التقسيم الإداري، إلى التشريعات، إلى آليات تقاسم السلطة والثروة.

لقد أظهرت الحكومات العراقية المتعاقبة، على اختلاف أنظمتها من الملكية إلى الجمهورية، ومن البعث إلى “ما بعد 2003”، عجزًا بنيويًا في بناء عقد وطني جامع.

ففي حين تأسست الدولة بقرار خارجي و بعملية قيصرية ، وبهيمنة انتدابية بريطانية و بملك مستورد،تم تجاهل الواقع الديمغرافي والجغرافي المعقّد، ليُختزل العراق في نموذج واحد، يُدار من المركز، ولا يعترف بتعددية الأقاليم والمجتمعات والثقافات.

كانت العلاقة مع الكورد، منذ البداية، اختبارًا مبكرًا لفشل مشروع “الدولة الأمة”. فمطالب الكورد لم تكن انفصالية، بل قومية ديمقراطية تتمثل في الاعتراف، الشراكة، الحكم المحلي، وضمان الحقوق الثقافية والسياسية. لكن تلك المطالب قوبلت، منذ عهد فيصل الأول، بالقصف والطائرات، وبعدها بالقوانين التعريبية، وانتهاءً بحملات الإبادة الجماعية في زمن البعث.

حتى بعد سقوط نظام صدام حسين 2003، وبروز فرصة تاريخية لإعادة صياغة العلاقة على أسس دستورية، لم تَشذ الحكومات الجديدة عن القاعدة. فعُطلت المادة 140 من الدستور، وتراجعت الشراكة الكوردية، وتم تحويل الملفات الأمنية والمالية إلى أدوات ضغط سياسي. الأسوأ أن العودة إلى “الذهنية القديمة” اتخذت هذه المرة غطاءً قانونيًا ومؤسساتيًا، لتُمارس المركزية من داخل نظام يُفترض أنه فيدرالي.

إن التجربة السياسية الممتدة بين عامي 1921 و2025 تقدّم دليلًا واضحًا على أن جوهر أزمة الحكم في العراق ليس فقط في الأشخاص أو الأحزاب، بل في البنية العقلية للدولة ذاتها. عقلية لا تعترف بالاختلاف، وتخاف من التعدد، وتعتبر المشاركة تهديدًا لا فرصة.

وإذا أراد العراق أن يخرج من هذه الدائرة المغلقة، فعليه أن يراجع جذور هذه الذهنية بجرأة، ويؤسس لمرحلة جديدة قائمة على الاعتراف المتبادل، واحترام الدستور، وبناء شراكة قومية حقيقية. فالحقوق لا تُمنح بامتنان، بل تُضمن بعدل. والدولة التي ترفض أن تكون لجميع مكوناتها، لن تكون لأحد.

في ضوء هذا المسار التاريخي الطويل من الإقصاء والتهميش، يتبيّن أن أزمة الحكم في العراق ليست آنية أو طارئة، بل هي متجذرة في عقلية سلطوية ترفض التعدد. إن خلاص العراق لن يتحقق إلا من خلال مراجعة جذرية لبنية الدولة، تنطلق من الاعتراف الحقيقي بحقوق المكونات، وفي مقدمتها الشعب الكوردي. إن الشراكة العادلة ليست تهديدًا للوحدة، بل شرطًا لبقائها. فلا استقرار بلا مساواة، ولا وحدة بلا عدالة. والمستقبل لا يُبنى بالإنكار، بل بالتفاهم والتشارك.

قد يعجبك ايضا