أمجد ياسين
قاص وروائي عراقي كوردي، كتب بالعربية والالمانية، هو جزء من تاريخ العراق الادبي والثقافي. أثرى المكتبة العراقية بـ 16 كتابا توزعت بين القصة والرواية اربعة منها باللغة الالمانية.
عاش الراحل مخاضات الهم العراقي الطويل فكانت عناوين مؤلفاته تشي بسمات تلك المراحل الصعبة نذكر منها: الاعصار، رجل في كل مكان، الزنابق التي لا تموت، رحلة الى بابل القديمة، زمن الهروب، وداعا نينوى، فردوس قرية الاشباح.. ذاكرة مدينة منقرضة.
الناقد والكاتب ياسين النصير استعاد ذكرى الراحل بثلاث صور اسماها (مجموعة صور مستعادة) فكتب:
الصورة الأولى
شكلت الثقافة في مدينة كركوك مجموعات غير متجانسة من المثقفين، بينهم الشاعر والروائي والمسرحي والسياسي، ولكن حركة الشعر كانت الغالبة دائما، صوتها هو الأعلى على اصوات بقية الفنون، فتميزت جماعة كركوك بالشعر، دون الرواية والمسرحية والقصة، حداثة محاذية لتجارب مدن عراقية أخرى كالبصرة، التي شكلت نواة الحداثة: السياب، البريكان، سعدي يوسف، وآخرون، حركة لها مديات اجتماعية وفنية اغنى بكثير من أية حركة تجديدية حتى تلك التي نشأت في بيروت أو القاهرة أو سوريا ولبنان. البصرة وكركوك تمتلكان ارضية عمالية خصبة اضرابات (كاور باغي) وشركات نفط البصرة والميناء.. وميزة كركوك أنها انتجت الشعر والقصة والمسرح والرواية، على درجة من النضج نفسها لحركة الشعر. موقع زهدي الداودي ضمن تيار الحداثة عن طريق القصة والسياسة.. فنجده وجليل القيسي ومحيي الدين زنكة في الظل من اعلام الجماعة، لأن فنون السرد والحوار لم تكن بقوة القصيدة الذي كان صوتها الأعلى لصناعة أعلام متميز، هكذا كان زهدي ضمن الجماعة وخارجها معا، لأنه أحد الذين وازنوا بين الانتماء السياسي والانتماء إلى الحداثة.
الصورة الثانية
مترجما في المانيا، تلك الطاقة التي تولدها الحياة عند اتقان اللغة، ليس من أجل العيش، إنما من أجل مواصلة الالتصاق بالثقافة وقراءة الأدب الألماني، ويوم استضافته مؤسسة أكد التي أديرها مع مجموعة من المثقفين العراقيين في هولندا، تحدث زهدي الداودي عن نفسه روائيا وسياسيا ومثقفا عضويا، لم يفقد بوصلة الانتماء الوطني الذي يوظف الثقافة لتنمية قدرات الذات على المواجهة في الغرب الرأسمالي حين يجد المهاجر نفسه دائما في صراع مع الذات التي تمحى إذا لم تكن على قدرة من التماسك.. كان زهدي وهو يتحدث لجمهوره، يجيد فن الموازنة بين الاثنين: مثقف يتغذى باستمرار من جذورة الوطنية، ومثقف منفتح على ثقافة الآخر.
الصورة الثالثة
زهدي في ذكرياته، كلما التقيته صدفة في مؤتمر أو ندوة مشتركة، ينهض سجن الكوت من بين سجلات ذاكرته، ويعيد تشكيل المشهد من جديد، هنا كان يجلس نصير النهر، وهناك كان يجلس الشيوعي فلان، ويحاول أن يتذكر الاسم فيبتسم وتضيع سحنات وجهه الجميل في طيات السنين والسجون. فسجن الكوت الذي أعاد تشكيل ذاكرته وهو في مهاجر المدن والذاكرة واحدة من المحطات التي بقيت تثريه بالصور.. وحدها الذاكرة تشكل هوية لجسد يحمل معه حقيبة من الأدوية وكلمات متقطعة عن احداث مختلطة لا يغيب عنها الحزب الشيوعي
العراقي.
يقظة النقد
وكتب القاص والناقد جاسم عاصي تحت عنوان “أدب الداودي مرهون للزمن ويقظة النقد”: لا شك في أن الجزء الكبير من الأعمال الأدبية والفكرية يغيب عن التداول بسبب تأثير الاضطرابات السياسية التي تضفي بظِلالها على أسماء كبيرة في سوق التلقي. و(زهدي الداودي) واحد ممن غيّبهم الزمن عن المشهد. وهذه فاصلة أكدت ارتباطها بالزمن الذي حقق فعلاً فرصة قراءة بعض ما كتبه (الداودي) في حقل السرد قصة ورواية. لقد امتاز أدب الكاتب بالبساطة في الطرح والعمق في الدلالة الاجتماعية والفلسفية، شأنه شأن الكثير من أدب الكورد على سبيل المثال. ونعني بالبساطة؛ الأسلوب واللغة، والأطروحات التي تنطلق من الواقع الاجتماعي الذي يدفع به من خلال دلالاته الكامنة في الأشياء ذاتها لغرض تحقيق دلالات أكبر. فعنده تتمثل الظاهرة والشخصية بما تمتلكه من حس طبقي وفئوي، وبما يُظهره تاريخها الخاص والعام، يمكن الامساك به من أجل تعميق الدلالة. وفي هذا المجال الذي يستل النموذج من قاع الحياة، ومن سطحها عبر التمكّن من تعميق وجودها البنيوي داخل حاضرة النص، وتوسيع ممارستها بتلقائية. ففي نصوصه تتوازن أطراف المعادلة في ما يخص وجود الشخصية في الواقع وفي واقع النص. هذا التوازن يؤكد القناعة في حيوية النماذج في كوّنها قادرة على البث والتعبير عن وجودها المادي والمعنوي، الطبقي والفئوي. إن خلق الشخصية في النص ليست من السهولة، بقدر ما ان الصعوبة تقود إلى تسهيل مهمة تحقيق الحيوية الفكرية، سواء كان ذلك عبر مركزها الاجتماعي الشعبي، أو من منطلق موّقعها الوظيفي. إن الكاتب يصطف مع كبار الكتّاب في العالم بسبب تأثره بسيّر كتّاب كبار أثناء وجوده في المهجر، وبتأثير اندفاعه الذاتي التحليلي لما يطلّع عليه من آثار أدبية وفكرية على الصعيد العربي والعالمي. أعتقد أن الزمن سوف يكشف عن عمق ما كتب (زهدي الداودي) وهذا مرهون أيضاً بسلطة النقد التي تُدير نظرها عن الكثير من الأعمال المهمة، وعن سيّر الكتّاب ذوي الخصائص المهمة والفاعلة.
