الفساد وآثره على النمو الاقتصادي

الأستاذ الدكتور : نزار الربيعي

اختلاف المدارس الفلسفية التي تناولت موضوع الفساد الإداري واختلاف المدارس الفلسفية بسبب أفكار وثقافات وتوجهات رواد هذه المدارس من الكتاب والمنظرين والعلماء، حيث عرف الفساد الإداري بصورة عامة هو انتهاك القوانين والانحراف عن تأدية الواجبــــــــات الرسمية في القطاع العام لتحقيق مكسب مالي شخصي ، ويعرف من خلال المفهوم الواسع بأنه الإخلال بشرف الوظيفة ومهنيتها وبالقيم والمعتقدات التي يؤمن بها الشخص، وكذلك هو إخضاع المصلحة العامة للمصالح الشخصية ،وغالبــاً ما يكون عن طريق وسطاء ،أما منظمة الشفافية الدولية فقد عرفت الفساد بأنه ” سوء استغلال السلطة لتحقيق مكاسب شخصية ،كما يعرف الفساد بأنه ” كل عمل يتضمن سوء استخدام للسلطة العامة لأغراض خاصة وهو أيضا خروج عن النظام والقانون أو استغلال غيابهما وتجاوز السياسة والأهداف المعلنة والمعتمدة من قبل السلطة السياسية وغيرها وذلك بهدف تحقيق منفعة شخصية سواء أكانت سياسية أو اجتماعية أو لمجموعة من الأفراد للفساد آثاراً اقتصادية كثيرة ، سواء على المستوى الكلي أو الجزئي وفي أهم هذه الآثار الكلية ، والتي تتمثل في أثره على النمو الاقتصادي ، وعلى القطاع الضريبي ، هذا إلى جانب أثر الفساد على الإنفاق الحكومي ، وعلى سوق الصرف الأجنبي وعلى سوق الأوراق المالية وصناديق الاستثمار .

أولاً : أثر الفساد على النمو الاقتصادي: طبقاً للنظرية الاقتصادية التقليدية فإن الفساد يعوق النمو الاقتصادي من خلال استخلاص الريع ” الاستئثار بالفائض الاقتصادي ” مما يؤثر سلباً على هذا النمو سواء بالنسبة لمنظمي المشروعات المحلية أو الأجنبية ، وهذا ما أثبتته الدراسة المقطعية التي تشير إلى وجود علاقة عكسية بين الفساد والاستثمار يكون له آثاراً سلبية على النمو الاقتصادي ليس هذا فحسب وإنما الفساد يثبط أيضاً الاستثمار الأجنبي ويخفض الموارد المتاحة للهياكل الأساسية للعملية الإنتاجية والخدمات العامة وبرامج محاربة الفقر وإعاقة الفساد للمؤسسات السياسية من خلال إضعاف شرعيتها وإمكانية محاسبة الحكومات . وباختصار فالفساد هو المعوق الأول للتنمية المستدامة ومعوق أول لتخفيض الفقر والأداء الحكومي الجيد وهو لا يؤثر على الناس الفقراء بطريقة مباشرة تماماً من خلال سوء تخفيض الموارد العامة ( ولاسيما المستمدة من المساعدات الخارجية ) والذي يمارسه المسئولون الفاسدون ، ولكن تبقى البلاد الفقيرة فقيرة ويعوقها من أن تصبح غنية .

ثانياً : أثر الفساد على القطاع الضريبي: يترتب على الفساد في مجال القطاع الضريبي أثاراً خطيرة
-عندما يكون هناك فساد في القطاع الضريبي فإن هذا يدفع البعض إلى تقديم إقرارات ضريبية تظهر وعاءاً ضريبياً غير حقيقي لهؤلاء الأفراد وبهذه الطريقة يتمكنون وبطريقة زائفة من إظهار مقدرة منخفضة مقارنة بمقدرتهم الحقيقية ، في حين لا يستطيع الممولون الأمناء من تخفيض هذه المقدرة بنفس الطريقة ، فإذا عومل الاثنان وهو من يقدم إقرارات صحيحة ذات مقدرة حقيقية على الدفع ، ومن يقدم إقرارات مزيفة لا تعكس مقدرته الحقيقية على الدفع ، معاملة ضريبية واحدة فإن هذا يعني إخلال الفساد بمبدأ العدالة الأفقية ، التي تقوم على أساس معاملة ضريبية متماثلة للأفراد ذوي القدرة المتساوية على الدفع . ومن جانب آخر فإن هذا يعد إخلالاً بمبدأ العدالة الرأسية التي تقتضي معاملة ضريبية مختلفة للأفراد ذوي القدرة المختلفة على الدفع . مما يترتب عليه في النهاية إخلال الفساد بمبدأ العدالة الاجتماعية في توزيع الأعباء العامة.

-يترتب على ممارسات الفساد في القطاع الضريبي مقدرة زائفة على الدفع للأفراد المنهمكين في ممارسات الفساد ، مما ينجم عن هذه الممارسات وانتشارها على نطاق واسع انخفاض زائف في الطاقة الضريبية للمجتمع ككل فإذا كان صانع السياسة المالية سيضع حجم الإيرادات الحكومية ، ويخطط الحجم الإنفاق الحكومي على أساس الطاقة الضريبية الزائفة ، فإن السياسة الاقتصادية لن تستطيع تحقيق ما ينشده المجتمع من أهداف مختلفة، سواء ما يتعلق منها بتحقيق النمو الاقتصادي ، أو تمويل الإنفاق العام ، أو تمويل الخدمات الاجتماعية العامة أو الجديرة بالإشباع التي لم يتم إشباعها بالقدر المرغوب اجتماعياً . وأمام هذا الوضع تجد الدولة نفسها مضطرة إلى التخلي عن بعض الأهداف التي وعدت المجتمع بإشباعها له .

ثالثاً :أثر الفساد على الإنفاق الحكومي:
-يترتب على الفساد الممتد وانتشاره في القطاع الحكومي آثار على تخصيص النفقات العامة ، مما يؤدي إلى تحقيق أدنى نفع ممكن من هذا الإنفاق وليس أقصى نفع ممكن منه . وعليه يترتب على شيوع الفساد وانتشاره في مجتمع ما ، سوء تخصيص لموارد هذا المجتمع العامة ،لأنها سوف تتجه صوب أوجه الإنفاق التي لا تحظى بأولوية الإنفاق العام من وجهة نظر المجتمع . ومن ثم ستحظى الأنشطة المظهرية كالأنشطة الرياضية والأندية ووسائل الإعلام ونحو ذلك بإنفاق سخي وفي مقابل ذلك سيتم إغفال الكثير من الأنشطة والقطاعات الاقتصادية الهامة ، أو يكون الإنفاق عليها ليس بالدرجة الكافية ، كالإنفاق على القطاع الزراعي والصناعي ، أو الإنفاق على تحسين مستوى المناطق النائية .
كما أن تنفيذ المشروعات العامة والمناقصات ستتميز بدرجة عالية من التميز وعليه سيتم استيراد المواد الخام ومواد البناء والآلات ونموها ، من بلاد أجنبية معينة ، في حين قد لا تكون هذه السلع المستوردة من هذه البلاد جيدة أو رخيصة مقارنة بغيرها من المصادر المتاحة.

رابعاً: أثر الفساد على سوق الصرف الأجنبي: تقوم الدول عادة بتحديد سعر لعملتها الوطنية مقابل العملات الأجنبية الأخرى. وتحاول هذه الدول أن يتسم هذا السعر بالثبات على الأقل لفترة معينة، حتى تتمكن من أجراء الإصلاحات الاقتصادية المعينة التي ترغب في تحقيقها، ولكن ممارسات الفساد في سوق الصرف الأجنبي يترتب عليها انقسام هذا السوق إلى سوقين :- سوق رسمي يسوده السعر الرسمي للصرف الأجنبي ، ويتميز هذا السوق بندرة في الصرف الأجنبي مقارناً بالطلب . وسوق غير رسمي يسوده سعر غير رسمي للصرف أعلى من السعر الرسمي ويتميز هذا السوق بالحركة والنشاط في شراء العرض المتاح من النقد الأجنبي.

خامساً : أثر الفساد على سوق الأوراق المالية وصناديق الاستثمار. يقوم سوق الأوراق المالية على الشفافية في إباحة المعلومات المتعلقة بالشركات التي تطرح أوراقاً في الأسواق المالية، سواء تعلقت هذه المعلومات بالميزانية الختامية ، أو بالنسب المالية التي تعكس الوضع الحقيقي لنشاط الشركة ومدى جدارتها الائتمانية ونحو ذلك.

ولكن يترتب على انتشار الفساد انتهاج إجراءات محاسبية غير حقيقية بل ومضلله في أغلب الأحيان، وإعداد حسابات للأرباح والخسائر تعكس وعاءاً ضريبياً منخفضاً بغرض المعاملة الضريبية، وحسابات أخرى تظهر معدلات مرتفعة للربحية تنتشر في أسواق المال بقصد الترويج للاكتتاب في أوراق هذه الشركات . مما ينجم عنه في النهاية تضليل للمستثمر في هذه الأوراق المالية، حيث بعد فترة زمنية معينة من إدراج الأوراق المالية لهذه الشركة في البورصة وتداولها من عدد كبير من المستثمرين الماليين يحدث انهيار لأسعارها.
أما بالنسبة لصناديق الاستثمار فهي تستند عل مبدأ أن الجمهور غير المصرفي، وخصوصاً معظم أفراد القطاع العائلي ليس لديهم المعرفة الفنية الكافية لتقييم جودة الأوراق المالية لكي يمكن المقارنة بينها، وبالتالي اختيار أفضل توليفة من هذه الأوراق التي تعطي عائداً أعلى في ظل مستوى معين من المخاطر. وبالتالي يقوم صندوق الاستثمار بتعيين خبراء ماليين لديهم المقدرة في تقويم جدارة الأوراق المالية نيابة عن الأفراد المستثمرين

قد يعجبك ايضا